محمد أمين يكتب: الاحتيال الرقمي يتطور كل يوم... والوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول
وفي ظل هذا الواقع، أصبح الوعي المجتمعي هو السلاح الأقوى لمواجهة هذه الجرائم، إذ لا يمكن لأي منظومة أمنية أن تنجح دون شراكة حقيقية مع المجتمع تقوم على المعرفة واليقظة والإبلاغ عن محاولات الاحتيال.
وتتنوع أساليب المحتالين بصورة كبيرة. فمنهم من ينتحل صفة موظف في جهة حكومية، مثل الشرطة أو مصلحة الضرائب أو الهجرة أو الضمان الاجتماعي، مدعيًا وجود قضية قانونية أو مستحقات مالية أو أوامر تستوجب اتخاذ إجراءات عاجلة. ويعتمد هؤلاء على بث الخوف في نفوس الضحايا لإجبارهم على التصرف دون تفكير.
كما تنتشر عمليات الاحتيال المصرفي، حيث يتلقى الضحية اتصالًا أو رسالة تزعم وجود نشاط غير معتاد على حسابه البنكي أو بطاقته الائتمانية، ثم يُطلب منه الإفصاح عن كلمات المرور أو رموز التحقق لمرة واحدة (OTP) أو بياناته المالية، وهي معلومات لا تطلبها المؤسسات المالية عبر الهاتف أو الرسائل.
ومن أكثر الأساليب تأثيرًا على الجانب الإنساني ما يعرف باحتيال الطوارئ العائلية، حيث يوهم المحتال الضحية بأن أحد أفراد أسرته تعرض لحادث أو تم توقيفه أو اختطافه، ويحتاج إلى تحويل أموال بشكل عاجل. واليوم، ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح بعض المحتالين قادرين على استنساخ الأصوات أو إنتاج مقاطع فيديو مزيفة (Deepfake) لانتحال شخصية أحد الأقارب أو الأصدقاء، ما يجعل عملية الخداع أكثر إقناعًا وخطورة.
ولا تتوقف محاولات الاحتيال عند هذا الحد، بل تشمل أيضًا الإعلانات الوهمية عن وظائف برواتب مرتفعة، أو عروض استثمار تحقق أرباحًا مضمونة، أو رسائل تدعي الفوز بجوائز مالية، أو إشعارات كاذبة بوجود طرود تحتاج إلى دفع رسوم بسيطة لإتمام التسليم. كما يلجأ البعض إلى انتحال صفة شركات تقنية معروفة، مدعين وجود أعطال أو فيروسات في أجهزة الضحايا، بهدف الحصول على صلاحية الدخول إلى أجهزتهم أو ابتزازهم ماليًا.
وأمام هذا التطور المستمر، تبقى الوقاية مسؤولية مشتركة، تبدأ بعدم الثقة في أي اتصال أو رسالة لمجرد أنها تحمل اسم جهة رسمية أو رقمًا معروفًا، فهذه البيانات يمكن تزويرها. كما يجب الامتناع عن الضغط على الروابط مجهولة المصدر، وعدم مشاركة كلمات المرور أو رموز التحقق أو البيانات البنكية مع أي شخص، مهما كانت صفته.
وعندما يتعرض أي شخص لضغط لاتخاذ قرار فوري أو تحويل أموال بشكل عاجل، فإن أفضل إجراء هو إنهاء الاتصال والتواصل مباشرة مع الجهة المعنية عبر أرقامها أو مواقعها الإلكترونية الرسمية للتحقق من صحة المعلومات.
إن المحتالين يعتمدون على إثارة الخوف والاستعجال والارتباك، بينما يعتمد المجتمع الآمن على الوعي والتروي والتحقق قبل اتخاذ أي خطوة.
إن نشر ثقافة الوعي الرقمي لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة لحماية الأفراد والأسر من الوقوع ضحية لجرائم تتطور كل يوم. فكل معلومة صحيحة يتم تداولها قد تمنع جريمة، وكل رسالة توعوية يتم مشاركتها قد تنقذ شخصًا من خسارة أمواله أو بياناته.
بقلم: محمد أمين
رئيس التواصل المجتمعي – شرطة نيويورك

