حين يصبح الضعف جزءًا من المشهد العام .

 

بقلم.مريم بدران

في بعض الشوارع، يمكن أن تمر بجانب مشهد واحد يلخص أسئلة كثيرة دفعة واحدة: إنسان ممدد على الرصيف في حالة عجز صامت، وبالقرب منه حيوان شارد يشارك اللحظة ذاتها من الهشاشة، كلاهما يبحث عن الحد الأدنى من الأمان في فضاء واحد لا يلتفت كثيرًا لمن لا صوت لهم.

 مشهد يتكرر بأشكال مختلفة من مكان إلى آخر، ومن دولة إلى دولة، بصور وسياقات متعددة، لكنه يحمل الجوهر نفسه: هشاشة إنسانية تُعرض في العلن، وتُقابل أحيانًا بالصمت أو المرور السريع.

ما يثير القلق ليس وجود هذه الحالات فقط، بل قدرتنا على رؤيتها دون أن تتغير ملامح الحياة اليومية حولها. كأن الألم أصبح جزءًا من المشهد العام، لا حدثًا يستوقفنا. بين محافظة وأخرى، وبين شارع وآخر، تتكرر التفاصيل ذاتها: ضعف بلا حماية كافية، وحياة تُدفع أحيانًا إلى الهامش دون أن تجد من يعيدها إلى المركز.

هذا التكرار ليس مجرد صدفة عابرة، بل يعكس في عمقه وجود فجوات مستمرة في آليات الحماية والرعاية الاجتماعية، حيث لا تصل بعض الأنظمة دائمًا إلى كل من يحتاجها في الوقت المناسب، أو لا تمتلك القدرة الكافية على احتواء كل أشكال الهشاشة. هنا يظهر نوع من “الفشل المركب”: فشل في الاستجابة السريعة، وفشل في الوقاية، وفشل في تحويل الإنسان الضعيف من حالة طارئة إلى حالة محمية.

لكن الصورة لا تكتمل من زاوية واحدة. فالدولة تتحمل مسؤولية أساسية باعتبارها الجهة التي يفترض أن تبني شبكات الأمان الاجتماعي: الصحة، الرعاية، السكن، والدعم. وعندما تضعف هذه الشبكات أو تتأخر استجابتها، تتسع المسافة بين الإنسان والنظام الذي من المفترض أن يحميه.

وفي المقابل، لا يمكن إغفال دور المجتمع، ذلك الصمت اليومي الذي يحول المشهد الإنساني إلى أمر عادي. نحن لا نمر مرورًا محايدًا هناك من يتوقف ويساعد، وهناك من يحاول قدر استطاعته أن يغير لحظة الألم حين يراها، وهذا جانب إنساني حاضر. وفي المقابل، يمر آخرون دون تدخل، مما يجعل جزءًا من المشهد عرضة للتجاهل أو التكرار دون معالجة جذرية.

أما على مستوى الفرد، فالقضية أكثر تعقيدًا مما تبدو. الإنسان ليس خارج سياقه، يولد داخل ظروف لم يخترها، اسم، عائلة، بيئة، فرص متفاوتة. هذه المعطيات تشكل بداية الطريق، لكنها لا تلغي وجود مساحة من القرارات الفردية التي قد تؤثر في المسار لاحقًا. بين ما يُفرض علينا وما نختاره، تتشكل حياة كاملة من الاحتمالات غير المتساوية.

ومن هنا يظهر سؤال أكثر حساسية: كيف تُبنى حياة إنسان في ظل الفقر أو المرض أو الهشاشة المستمرة؟ ليس كسؤال لإدانة الأفراد، بل كسؤال عن معنى المسؤولية حين تكون الظروف نفسها غير متوازنة. وكيف يمكن لمنظومات كاملة أن تمنع تكرار دوائر الألم بدل أن تتركها تتجدد بصور مختلفة؟

حتى الكائنات الأضعف في هذا المشهد، إنسانًا كان أو حيوانًا، لا تكشف مجرد حالة فردية معزولة، بل تعكس مظهرًا من مظاهر الهشاشة التي يمكن ملاحظتها في الفضاء العام داخل سياقات حضرية مختلفة.

 كيف تُدار علاقة المكان بمن لا يملك قوة أو سندًا كافيًا؟ هل يتم احتواء هذا الضعف عبر آليات رعاية واضحة ومستمرة، أم يظل حاضرًا بشكل متقطع داخل المشهد اليومي دون معالجة كافية؟

هذا النوع من المشاهد لا يرتبط ببلد أو سياق بعينه، بل يمكن رصده في أماكن متعددة حول العالم، وفي بعض المحافظات والمناطق داخل دول مختلفة، مع اختلاف الظروف والأسباب، لكنه غالبًا ما يحمل قاسمًا مشتركًا يتمثل في تكرار ظهور الهشاشة الإنسانية في الفضاء العام بدرجات متفاوتة من الاستجابة والتعامل.

ويبقى الإشكال الأساسي ليس في ظهور هذه الحالات، بل في قدرتها على التكرار بصمت دون أن تتحول إلى لحظة مراجعة حقيقية لطريقة التعامل مع الهشاشة داخل الفضاء العام.

هذا النص يقدم قراءة عامة لظواهر اجتماعية يمكن ملاحظتها في سياقات مختلفة.