التراث الفلسطيني في مرمى الاستهداف.. قراءة في جريمة الإبادة الثقافية بحق غزة
يشكل التراث الثقافي أحد أهم ركائز الهوية الوطنية والإنسانية لأي شعب، فهو الذاكرة الحية التي تجسد العلاقة التاريخية بين الإنسان وأرضه، وتربط الماضي بالحاضر، وتعكس الإرث الحضاري والثقافي المتوارث عبر الأجيال، سواء في مكوناته المادية أو غير المادية. كما يمثل عنصرًا أساسيًا في تعزيز الانتماء الوطني والتماسك المجتمعي، الأمر الذي جعل حماية التراث الثقافي أولوية لدى الدول والمنظمات الدولية، من خلال الاتفاقيات والمبادرات الرامية إلى صونه من التدمير والاندثار.
ومنذ احتلال فلسطين عام 1948، انتهج الاحتلال الإسرائيلي سياسات ممنهجة استهدفت التراث الثقافي الفلسطيني بمختلف أشكاله، عبر التدمير والنهب، ونسب الموروث الحضاري الفلسطيني إلى روايته التاريخية، واستمرت هذه السياسات بعد عام 1967، في إطار محاولات طمس الهوية الفلسطينية ومحو شواهدها التاريخية.
وجاءت الحرب التي شنت على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 لتكشف بصورة غير مسبوقة حجم الاستهداف المنظم للتراث الثقافي الفلسطيني، حيث تعرضت المباني الأثرية والتاريخية، والمتاحف، والمكتبات، والجامعات، ومراكز التراث، والأعمال الفنية للتدمير، في مشهد يعكس استهدافًا مباشرًا لأحد أهم مقومات الهوية الوطنية الفلسطينية، وفي انتهاك جسيم لقواعد القانون الدولي.
إن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من جرائم إبادة جماعية، وتهجير قسري، وتطهير عرقي، لا يقتصر على استهداف الإنسان، بل يمتد ليشمل التاريخ والجغرافيا والذاكرة الجماعية. ويأتي تدمير المواقع الأثرية والتراثية في قطاع غزة ضمن استراتيجية تهدف إلى نفي أصالة الشعب الفلسطيني، وتقويض حقوقه التاريخية، وإضعاف مطالبه المشروعة بأرضه وهويته وحقه في تقرير المصير. ومن هنا، فإن الحفاظ على هذه المواقع وإعادة تأهيلها يمثل جزءًا أصيلًا من النضال الوطني الفلسطيني، دفاعًا عن الحقوق التاريخية والوطنية غير القابلة للتصرف أو المساومة.
فالأعيان الثقافية ليست مجرد معالم دينية أو تاريخية، وإنما تمثل شواهد قانونية وحضارية على الامتداد التاريخي والجغرافي للشعب الفلسطيني في أرضه، والحفاظ عليها يعد معركة وجودية تتطلب وعيًا وطنيًا وتكاتفًا لحمايتها من التدمير والتخريب والتزييف والطمس.
وفي مواجهة ما يوصف بالإبادة الثقافية، تبرز الحاجة إلى تنسيق الجهود بين المؤسسات الرسمية والأهلية والخاصة، والاتحادات والنقابات والجمعيات الفلسطينية، من أجل حماية الموروث الثقافي الفلسطيني، وفضح جرائم الاحتلال أمام الرأي العام الدولي، والعمل على تحويل اليوم الدولي للثقافة إلى مناسبة للتضامن الثقافي مع الشعب الفلسطيني والدفاع عن تراثه الثقافي المادي.
كما تفرض المرحلة الراهنة، في ظل المخاطر الوجودية التي تواجه القضية الفلسطينية، توحيد الجهود الوطنية على أساس الهوية الفلسطينية الجامعة، وتجاوز الانقسامات الحزبية والشخصية، عبر رؤية وطنية واضحة وخطوات عملية تعزز الصمود في مواجهة محاولات تصفية القضية الفلسطينية، في ظل ما يصفه كثيرون بالتواطؤ الدولي مع الاحتلال.
وفي هذا السياق، تتعاظم مسؤولية المثقف الفلسطيني في الدفاع عن الهوية الثقافية، انطلاقًا من دوره الوطني والإنساني. ويستحضر هذا السياق ما أكده المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد بقوله: "وجوب بقاء المثقف أمينًا لمعايير الحق الخاصة بالبؤس الإنساني والاضطهاد، رغم انتسابه الحزبي، وخلفيته القومية، وولاءاته الفطرية"، محذرًا من أن "لا شيء يشوه الأداء العلني للمثقف أكثر من تغيير الآراء تبعًا للظروف، والتزام الصمت الحذر، والتبجح الوطني" (سعيد، 1996، ص14).
وتبرز الحاجة إلى اعتماد استراتيجية فلسطينية، بالتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة، للتحرك في الأمم المتحدة من أجل مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وإلزام إسرائيل، بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال، بوقف استهداف الأعيان الثقافية.
وتتضمن هذه الاستراتيجية إنشاء منصة إلكترونية فلسطينية باللغات الرسمية المعتمدة في الأمم المتحدة، لرصد وتوثيق جميع الانتهاكات بحق الأعيان الثقافية الفلسطينية، إلى جانب تشكيل لجنة مشتركة تضم وزارات الثقافة، والسياحة والآثار، والخارجية، ومؤسسات المجتمع المدني، ونقابتي الصحفيين والفنانين، واتحاد الكتاب، لتنظيم جولات دولية تهدف إلى فضح جرائم الإبادة الثقافية في قطاع غزة.
كما تشمل المقترحات إعداد خطاب موجه إلى منظمة اليونسكو للتعاون في رفع دعاوى قضائية ضد حكومة الاحتلال أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، وأمام محاكم الدول الأعضاء التي تسمح تشريعاتها بذلك، إضافة إلى دعوة المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في الثقافة، ألكسندرا إكسانتاكي، لزيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة والاطلاع على حجم الانتهاكات بحق التراث الثقافي في غزة.
وتختتم الرؤية بالدعوة إلى تنظيم فعالية إعلامية موحدة، وتنسيق البث بين الفضائيات الفلسطينية والعربية ووسائل الإعلام في الدول الصديقة، بهدف تسليط الضوء على جرائم الإبادة الثقافية، مع مطالبة محكمة العدل الدولية بالتشديد في قراراتها على إلزام الاحتلال بوقف استهداف الأعيان الثقافية في قطاع غزة، باعتبار ذلك جريمة حرب تستوجب الوقف الفوري والمساءلة والمحاسبة الدولية.
