إيران في قلب الاستراتيجية الأميركية الجديدة: من المواجهة إلى احتواء التصعيد
واشنطن.د.شيرين النجار عضو الحزب الديمقراطى الأمريكى
تشهد السياسة الأميركية تجاه الملف الإيراني خلال المرحلة الحالية توازناً معقداً بين استمرار الضغوط الأمنية والعسكرية من جهة، والسعي إلى احتواء الأزمة عبر المسارات الدبلوماسية من جهة أخرى، في ظل متغيرات إقليمية متسارعة وضغوط داخلية متزايدة فرضتها كلفة المواجهة على المستويين السياسي والاقتصادي.
ويأتي هذا التوجه بالتوازي مع تحركات الأمم المتحدة، التي ركزت خلال الفترة الأخيرة على مسارين رئيسيين؛ الأول يتمثل في احتواء التصعيد العسكري ومنع اتساع رقعة الصراع، والثاني في متابعة ملف حقوق الإنسان والالتزام بالقانون الدولي.
إدانة التصعيد الإقليمي
برز الموقف الدولي بوضوح من خلال تبني مجلس الأمن الدولي القرار رقم (2817)، الذي حظي بدعم واسع، بما في ذلك تأييد الولايات المتحدة، حيث أدان بأشد العبارات الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية التي استهدفت عدداً من دول الجوار، وفي مقدمتها دول الخليج والأردن، على خلفية المواجهات العسكرية التي اندلعت في فبراير الماضي.
وفي السياق ذاته، شددت الأمم المتحدة على ضرورة حماية أمن الملاحة الدولية، مؤكدة أن أي تهديد أو محاولة لإغلاق مضيق هرمز يمثل خطراً مباشراً على الاقتصاد العالمي، وعلى الدول النامية بصورة خاصة، باعتبار المضيق أحد أهم شرايين تجارة الطاقة في العالم.
أولوية المسار الدبلوماسي
وعلى الرغم من استمرار الخطاب الأميركي المتشدد تجاه إيران، فإن المشهد السياسي داخل الولايات المتحدة يشير إلى تنامي التأييد للحلول الدبلوماسية، خاصة بعد تصاعد المعارضة الشعبية لأي انخراط عسكري واسع.
وتدعم واشنطن جهود الأمم المتحدة الرامية إلى إنجاح المفاوضات غير المباشرة التي تستضيفها دولة قطر، والهادفة إلى تثبيت اتفاقات التهدئة ووقف الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تحذيرات أممية متكررة من أن العودة إلى مواجهة شاملة ستكون لها تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الاقتصاد الأميركي.
الملف النووي الإيراني
وفي الملف النووي، تواصل الإدارة الأميركية التنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع التأكيد على ضرورة تعاون إيران الكامل والشفاف مع مفتشي الوكالة، والالتزام بكافة الاتفاقيات الدولية الخاصة بمنع الانتشار النووي، وضمان سلمية البرنامج النووي الإيراني، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لأي تخفيف أو رفع مستقبلي للعقوبات الدولية.
الحرب وتداعياتها داخل الولايات المتحدة
منذ اندلاع الحرب ضد إيران في 28 فبراير 2026، والتي أطلقت عليها الإدارة الأميركية اسم عملية Epic Fury، شهد الداخل الأميركي انقساماً سياسياً وشعبياً غير مسبوق، اتسم بتصاعد الاحتجاجات، واتساع المخاوف الاقتصادية، واحتدام الاستقطاب الحزبي.
رفض شعبي متزايد
أظهرت استطلاعات الرأي، ومنها استطلاعات Marist Poll وReuters/Ipsos، أن المزاج العام الأميركي يميل بصورة واضحة إلى رفض الحرب.
ففي بداية الحملة العسكرية خلال شهر مارس 2026، أعلن نحو 56% من الأميركيين معارضتهم للتدخل العسكري، بينما أظهرت استطلاعات شهري مايو ويونيو أن 52% من المواطنين يرون أن الحرب لم تكن تستحق التدخل العسكري من الأساس.
أعباء اقتصادية ثقيلة
ولم تقتصر المعارضة على الاعتبارات السياسية، بل ارتبطت أيضاً بالأعباء الاقتصادية المتزايدة التي تحملها المواطن الأميركي.
فقد أعرب نحو ثلثي الأميركيين عن تأثر أوضاعهم المعيشية نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، بعد تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، فضلاً عن الاستياء من التكلفة المالية للحرب، التي تجاوزت 113 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب.
كما انعكس ذلك على معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذي زاد من الضغوط على الإدارة الأميركية.
انقسام حزبي حاد
كشفت الحرب عن انقسام سياسي واضح بين القوى الحزبية الأميركية.
فقد أيد نحو 84% من الجمهوريين الضربات العسكرية، معتبرين أنها ضرورية لردع إيران وإنهاء التهديد النووي الذي تمثله، بينما عارض الحرب نحو 86% من الديمقراطيين، إلى جانب 61% من المستقلين، الذين انتقدوا طريقة إدارة الرئيس دونالد ترامب للأزمة.
وأدى هذا الانقسام إلى زيادة حدة الاستقطاب السياسي داخل الولايات المتحدة، في وقت تستعد فيه البلاد لاستحقاقات انتخابية مهمة.
احتجاجات متواصلة
ومنذ اليوم الأول للحرب، شهدت المدن الأميركية الكبرى موجة احتجاجات واسعة.
وتجمع مئات المحتجين بصورة متكررة أمام البيت الأبيض ومبنى الكونغرس، رافعين شعارات من بينها: "أوقفوا قصف إيران" و**"ارفعوا أيديكم عن إيران"**.
كما تصاعد الغضب الشعبي عقب التقارير التي تحدثت عن سقوط ضحايا مدنيين داخل إيران، ومن بينها حادثة قصف مدرسة "ميناب" الابتدائية، حيث نظمت مجموعات مناهضة للحرب فعاليات رمزية أمام مبنى الكابيتول، تضمنت وضع حقائب مدرسية للأطفال تعبيراً عن رفض استهداف المدنيين، بمشاركة عدد من أعضاء الحزب الديمقراطي.
وامتدت الاحتجاجات إلى مدن رئيسية مثل نيويورك، ولوس أنجلوس، وسان فرانسيسكو، في حين نفذ عدد من قدامى المحاربين وعائلاتهم اعتصامات داخل مباني مجلس النواب، انتهت باعتقال أكثر من 62 شخصاً خلال شهر أبريل الماضي.
الجالية الإيرانية في الولايات المتحدة
وفي المقابل، شهدت بعض المدن الأميركية تظاهرات مضادة شاركت فيها مجموعات من الجالية الإيرانية المقيمة في الولايات المتحدة، حيث أيدت بعض الأطراف الضربات العسكرية في بدايتها، على أمل أن تؤدي إلى إحداث تغيير سياسي داخل إيران، وهو ما تسبب في مواجهات كلامية مع المتظاهرين المناهضين للحرب.
تحديات سياسية أمام إدارة ترامب
ورغم الخطابات الحماسية والتصريحات المتشددة التي يطلقها الرئيس دونالد ترامب، فإن إدارته تواجه تحديات سياسية متزايدة نتيجة تصاعد حركة معارضة الحرب.
وتبرز في مقدمة هذه التحديات احتمالات خسارة أصوات المستقلين والجمهوريين المعتدلين، وهي شريحة انتخابية تُعد حاسمة في أي استحقاق انتخابي.
وتشير استطلاعات الرأي، ومنها استطلاع PRRI الصادر في يونيو 2026، إلى أن 61% من المستقلين يعارضون الحرب، في حين سجلت شعبية الرئيس تراجعاً بنحو 17% بين الجمهوريين المعتدلين والناخبين الميالين للحزب الجمهوري، الأمر الذي قد يؤثر في فرص الحزب في الاحتفاظ بالأغلبية داخل مجلسي الشيوخ والنواب خلال الانتخابات المقبلة.
الاقتصاد... التحدي الأكبر
وتبقى التداعيات الاقتصادية أكبر التحديات التي تواجه الإدارة الأميركية.
فقد اعتمد ترامب طوال مسيرته السياسية على تقديم نفسه بوصفه رئيساً قادراً على تحقيق النمو الاقتصادي، إلا أن استمرار الحرب أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود، وزيادة معدلات التضخم، وتراجع مستويات الرضا الشعبي عن الأداء الاقتصادي.
ووفقاً لاستطلاعات YouGov خلال يونيو 2026، بلغت نسبة عدم الرضا عن إدارة الاقتصاد نحو 63%، في وقت تجاوزت فيه كلفة العمليات العسكرية 113 مليار دولار، وهو ما منح معارضي الحرب ورقة ضغط سياسية قوية في مواجهة الإدارة الأميركية، مع استمرار التساؤلات حول جدوى استمرار الصراع وكلفته الباهظة على الاقتصاد الأميركي والمواطنين.
