مصر التي في خاطري ... د\ محمد كمال علام
صوفيا
ليس من المقبول أن يقتصر خطاب بعض ممثلي الجاليات المصرية في الخارج على المطالبة
بتسهيلات أو مصالح تخص المصريين المقيمين بالخارج، بينما يعاني ملايين المصريين داخل الوطن من تحديات اقتصادية ومعيشية تستحق أن تكون حاضرة أيضًا في أي حوار وطني
فالجالية المصرية ليست كيانًا منفصلًا عن مصر، بل هي امتداد للشعب المصري، ومن يحمل هموم الوطن ينبغي أن يحمل هموم جميع أبنائه، سواء كانوا داخل الحدود أو خارجها. ومن ثم فإن أي رؤية متوازنة يجب أن تجمع بين الدفاع عن حقوق المصريين في الخارج، والمطالبة بما يخفف الأعباء عن المواطنين داخل مصر، من تحسين مستوى المعيشة، ودعم التعليم والصحة، وتوفير فرص العمل، وتحقيق العدالة الاجتماعية
إن قوة الجاليات المصرية لا تُقاس فقط بما تحققه لأعضائها من خدمات، بل أيضًا بما تقدمه من أفكار ومبادرات تخدم الوطن كله. فالمواطن البسيط الذي يكافح يوميًا داخل مصر لا يقل استحقاقًا للاهتمام عن المواطن الذي يعيش في الخارج
لذلك، فإن الرسالة التي ينتظرها المصريون هي أن يكون صوت الجاليات صوتًا وطنيًا جامعًا، يعبر عن مصالح جميع المصريين، لا عن فئة واحدة فقط. فالوطن لا ينقسم إلى "داخل" و"خارج"، وإنما هو شعب واحد، وآماله وتحدياته واحدة، ومسؤولية الدفاع عن مصالحه تقع على عاتق كل من يتحدث باسمه
عندما ينسى ممثلو الجاليات الوطن... فمن يتحدث باسم المصريين؟
يثير الدهشة أن يتحول كثير من النقاش حول أوضاع المصريين في الخارج إلى قائمة طويلة من المطالب الخاصة بالتسهيلات والإعفاءات والخدمات، بينما يغيب أو يضعف الحديث عن المواطن المصري الذي يعيش داخل الوطن، ويواجه يوميًا أعباءً اقتصادية واجتماعية متزايدة
ليس من الخطأ أن تطالب الجاليات بحقوقها، فهذا حق مشروع، لكن الخطأ أن يصبح هذا هو الخطاب الوحيد، وكأن مصر لا تضم ملايين المواطنين الذين يستحقون أيضًا أن يجدوا من يدافع عن قضاياهم ويرفع صوتهم
كيف يمكن لمن يعلن أنه يمثل المصريين أن يتحدث باسم جزء منهم فقط؟ وكيف يمكن أن يطالب بمزايا للمغترب، بينما لا يخصص الكلمة نفسها للعامل البسيط، أو الموظف، أو الفلاح، أو صاحب المعاش، أو الشباب الذين يبحثون عن فرصة عمل داخل بلدهم؟
إن قوة أي جالية لا تُقاس بعدد الامتيازات التي تحصل عليها، وإنما بمدى ارتباطها الحقيقي بوطنها
فالوطن ليس مجرد قنصلية أو خدمة إدارية أو معاملة حكومية، بل هو شعب بأكمله، وآماله وآلامه واحدة
المطلوب من ممثلي الجاليات أن يكونوا جسورًا بين المصريين في الخارج ووطنهم، لا أن يتحولوا إلى جماعات ضغط لا ترى إلا مصالحها الخاصة. فمن يحمل اسم مصر في الخارج، ينبغي أن يحمل هموم مصر كلها، لا هموم فئة واحدة منها
إن المصري الذي بقي في وطنه، وتحمل ظروفه، لا يستحق أن يشعر بأن صوته أقل أهمية من صوت من غادر
فحقوق المصريين لا تتنافس فيما بينها، بل تتكامل. ولا ينبغي أن تُطرح مطالب الخارج وكأنها منفصلة عن احتياجات الداخل
لقد آن الأوان لأن يتسع الخطاب الوطني ليشمل الجميع
فإذا كان للمصريين في الخارج حقوق يجب الدفاع عنها، فإن للمصريين في الداخل حقوقًا لا تقل أهمية، وربما تكون أكثر إلحاحًا في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها كثيرون
الوطن لا يحتاج إلى أصوات تتحدث عن الامتيازات فقط، بل إلى أصوات تتحدث عن العدالة، والإنصاف، والتنمية، وكرامة كل مصري، أينما كان.
فالمصري في الخارج يبقى ابنًا لهذا الوطن، لكنه ليس منفصلًا عن أخيه الذي يعيش على أرضه ويكافح كل يوم من أجل حياة كريمة
إن الوطنية لا تُقاس بحجم المطالب التي نرفعها لأنفسنا، وإنما بقدرتنا على الدفاع عن مصلحة الوطن كله، وعن جميع أبنائه دون تمييز.
وعندما يصبح هذا هو معيار العمل العام، تكون الجاليات قد أدت رسالتها الحقيقية، لا أن تتحول إلى منابر للمطالب الفئوية وحدها
هناك حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن أي نقاش وطني، وهي أن ملايين المصريين الذين اختاروا أو اضطروا إلى الهجرة يسعون - في الغالب - إلى تحسين مستوى معيشتهم، وكثير منهم استطاع أن يحصل على فرص عمل ودخل أفضل مما كان متاحًا له داخل مصر، بينما لا يزال ملايين المواطنين في الداخل يواجهون ضغوطًا اقتصادية ومعيشية كبيرة كل يوم
ومع ذلك، نسمع في بعض الأحيان أصواتًا ترفع سقف المطالب الخاصة بالمغتربين، بينما يكاد يغيب الحديث عن المواطن الذي بقي في وطنه، يتحمل أعباء الحياة، ويشارك في بناء الدولة، ويدفع ثمن كل أزمة اقتصادية أو ارتفاع في الأسعار
والأكثر احترامًا أن هناك آلافًا من المصريين في الخارج، رغم نجاحهم أو استقرارهم، لم يجعلوا همهم الأول المطالبة بمكاسب أو امتيازات لأنفسهم، بل ظلوا يرسلون تحويلاتهم المالية إلى أسرهم، ويدعمون وطنهم في الأزمات، ويحملون اسم مصر بفخر، دون ضجيج أو مطالب متكررة
إن تمثيل الجاليات لا ينبغي أن يتحول إلى سباق للحصول على مزايا لفئة بعينها، بل يجب أن يكون رسالة وطنية شاملة.
فمن يتحدث باسم المصريين في الخارج عليه أيضًا أن يتحدث باسم المصري الذي يقف في طابور العمل، أو يكافح من أجل تعليم أبنائه، أو يواجه أعباء المعيشة داخل الوطن
الوطن لا يحتاج إلى خطاب يفرق بين مصري في الداخل وآخر في الخارج، بل إلى خطاب يوازن بين حقوق الجميع، ويجعل الأولوية دائمًا للمصلحة الوطنية العامة، لا للمطالب الفئوية. فكرامة المصري لا تتحدد بمكان إقامته، وإنما بانتمائه لوطن واحد، يستحق أن يتساوى جميع أبنائه في الاهتمام والدفاع عن مصالحهم
