جمبري بيجار».. شهادات عن إعدامات سرية واختفاء آلاف الجزائريين خلال معركة الجزائر عام 1957
فتحي الضبع
تعود إلى واجهة الذاكرة الجزائرية واحدة من أكثر الصفحات إثارة للجدل في تاريخ حرب التحرير الجزائرية، وهي ما عُرف باسم «جمبري بيجار» (Crevettes Bigeard)، وهو تعبير ارتبط بروايات وشهادات عن إعدام معتقلين جزائريين وإلقاء جثامينهم في البحر خلال معركة الجزائر عام 1957.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن التعبير ارتبط بطريقة كانت تقوم، وفق شهادات لاحقة، على وضع أقدام المعتقل داخل وعاء يُصب فيه إسمنت سريع التصلب، ثم إلقائه من طائرة مروحية في البحر المتوسط، بحيث يصعب على الجثمان أن يطفو. وقد أُطلق على الضحايا اسم «جمبري بيجار» في إشارة إلى الجنرال الفرنسي مارسيل بيجار. �
Le Monde.fr +١
لكن من المهم التمييز بين وجود شهادات تاريخية عن هذه الممارسة وبين القول إن الجنرال بيجار شخصيًا ابتكرها أو أصدر أوامر بتنفيذها؛ فقد نفى بيجار مرارًا مشاركته في التعذيب، كما أن مسؤوليته الشخصية المباشرة عن عمليات «جمبري بيجار» ظلت موضع خلاف تاريخي. �
ويكيبيديا +١
آلاف المختفين
شهدت الجزائر خلال عام 1957 ما عُرف بـمعركة الجزائر، عندما مُنحت القوات الفرنسية، ولا سيما وحدات المظليين بقيادة الجنرال جاك ماسو، صلاحيات واسعة لملاحقة شبكات جبهة التحرير الوطني داخل العاصمة.
وتشير مصادر تاريخية إلى اعتقال عشرات الآلاف خلال تلك الفترة، وسط اتهامات واسعة باستخدام التعذيب والإعدامات خارج نطاق القضاء وحالات الاختفاء القسري.
وكان بول تيجِن (Paul Teitgen)، الأمين العام لشرطة ولاية الجزائر آنذاك، من أبرز المسؤولين الفرنسيين الذين وثقوا الانتهاكات. وتشير سجلاته إلى أنه وقّع أكثر من 24 ألف قرار احتجاز أو إسناد إقامة، وأنه أحصى 3024 شخصًا في عداد المختفين خلال الفترة المعنية من عام 1957. �
1000 Autres +١
ولهذا فإن الرقم المتداول على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو 8000 مختفٍ من سكان العاصمة خلال تلك الفترة، لا ينبغي نشره باعتباره رقمًا موثقًا ونهائيًا؛ فالرقم الأكثر ارتباطًا بسجلات تيجِن هو 3024 حالة اختفاء، مع وجود نقاش بين المؤرخين حول كيفية احتساب الأرقام ومدى اكتمال السجلات. �
War on the Rocks +١
التعذيب والاختفاء
لم تقتصر الانتهاكات المنسوبة إلى القوات الفرنسية خلال معركة الجزائر على حالات الاختفاء، إذ توثق دراسات وشهادات تاريخية استخدام وسائل تعذيب أثناء التحقيق مع المعتقلين، من بينها الصعق الكهربائي والإيهام بالغرق والضرب، إلى جانب عمليات اعتقال واسعة النطاق.
وقد دفع ذلك بول تيجِن إلى الاحتجاج على ما شاهده من آثار التعذيب على المعتقلين، وربط في رسالته الشهيرة باستقالته بين ما رآه في الجزائر وما تعرض له هو شخصيًا من تعذيب على يد الجستابو الألماني خلال الحرب العالمية الثانية. �
War on the Rocks +١
كما أصبحت قضية موريس أودان، عالم الرياضيات الفرنسي المؤيد لاستقلال الجزائر، إحدى أشهر قضايا الاختفاء خلال تلك الفترة؛ إذ اعتُقل في يونيو 1957 ولم يعد إلى أسرته، قبل أن تعترف الدولة الفرنسية بعد عقود بمسؤولية الدولة عن وفاته بعد احتجازه. وتُعد قضيته جزءًا من ملف أوسع يتعلق بالاختفاءات والتعذيب خلال الحرب.
إرث تاريخي لم يُغلق بالكامل
وبعد مرور عقود على انتهاء حرب الجزائر، لا تزال قضية المختفين والانتهاكات التي وقعت خلال الحرب من أكثر الملفات حساسية في الذاكرة المشتركة بين الجزائر وفرنسا.
وتشير أبحاث تاريخية حديثة إلى أن جزءًا من ملفات المختفين ظل ناقصًا أو مفقودًا، فيما جرى استخراج وثائق وأسماء من الأرشيف الفرنسي ساعدت في إعادة بناء مصير عدد من الأشخاص الذين اختفوا خلال عام 1957. �
Factuel +١
وتبقى قصة «جمبري بيجار» واحدة من أكثر الروايات إثارة للجدل في هذا الملف، ليس فقط بسبب بشاعة الأسلوب المنسوب إلى عمليات الإعدام، وإنما أيضًا بسبب صعوبة تحديد العدد الدقيق للضحايا والمسؤوليات الفردية المباشرة عن تلك العمليات.
وتؤكد هذه الوقائع، وفق ما تكشفه الشهادات والوثائق التاريخية، أن معركة الجزائر لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين القوات الفرنسية وجبهة التحرير الوطني، وإنما شهدت أيضًا اعتقالات وتعذيبًا واختفاءات وإعدامات خارج نطاق القضاء، أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من النقاش حول إرث الاستعمار الفرنسي في الجزائر.
ملاحظة تحريرية مهمة: أنصحك في النسخة المنشورة بعدم استخدام عبارة «طريقة تعذيب ابتكرها بيجار» كحقيقة قطعية، والأفضل صحفيًا: «طريقة إعدام واختفاء عُرفت تاريخيًا باسم جمبري بيجار، ونُسبت إلى وحدات فرنسية خلال معركة الجزائر، مع استمرار الجدل حول المسؤولية المباشرة لبيجار عنها.» فهذا يجعل الخبر أقوى مهنيًا وأكثر صمودًا أمام التدقيق التاريخي.
