من عالمٍ مسلم إلى عبدٍ في أمريكا.. حكاية عمر بن سعيد التي خبّأ فيها القرآن داخل قناع المسيحية
قبل أكثر من قرنين، عبر عمر بن سعيد المحيط الأطلسي مكبلاً، بعدما اقتُلع من موطنه في غرب أفريقيا وبِيع عبداً في الولايات المتحدة. لكنه لم يصل إلى أمريكا خالي الوفاض؛ فقد حمل معه علماً واسعاً باللغة العربية والقرآن والرياضيات والفلك والتجارة، وترك بعد سنوات من الأسر شهادة استثنائية على حياة المسلمين الأفارقة المستعبدين.
في عام 1807، بدأت واحدة من أكثر الرحلات قسوة في حياة عمر بن سعيد، العالم المسلم القادم من السنغال. أُسر في غرب أفريقيا، واقتيد قسراً إلى الساحل، ثم دُفع إلى سفينة عبرت به «البحر الأعظم» في رحلة استمرت نحو شهر ونصف، قبل أن يصل إلى ولاية كارولينا الجنوبية.
لم يكن عمر رجلاً أمياً كما أراد التصور العنصري السائد آنذاك أن يصوّر الأفارقة المستعبدين، بل كان عالماً تلقى تعليمه الإسلامي على مدى نحو 25 عاماً، ودرس القرآن واللغة العربية والرياضيات والفلك والتجارة.
كان ينتمي إلى عائلة ميسورة في إمامة فوتا تورو، على ضفاف نهر السنغال، قبل أن تنقلب حياته بالكامل بفعل تجارة الرقيق.
الهروب إلى المجهول
بعد وصوله إلى تشارلستون، بيع عمر إلى رجل وصفه في سيرته بأنه شديد القسوة والعنف. لم يحتمل ما تعرض له، فهرب متجهاً شمالاً حتى وصل إلى فاييتفيل في نورث كارولينا.
كان يبحث عن مكان يستطيع فيه الصلاة.
وجد كنيسة، ودخل إليها وبدأ عبادته، لكن أمره اكتُشف سريعاً، فأُلقي القبض عليه وأودع السجن.
هناك حدث ما جعل قصته مختلفة عن كثير من قصص المستعبدين في ذلك العصر.
بدأ عمر يكتب على جدران زنزانته باللغة العربية.
كانت كتاباته صدمة لمن حوله؛ فهي تكشف أن الرجل الذي أصبح «عبداً» في نظر القانون الأمريكي كان في الحقيقة متعلماً يجيد القراءة والكتابة بلغة لم يكن معظم سجانيه يفهمونها.
سجين يكتب بالعربية.. ويخفي ما يؤمن به
لاحقاً، اشتراه الجنرال جيمس أوين، أحد الشخصيات البارزة في نورث كارولينا.
كان أوين يعرف أن عمر مسلم ويتحدث العربية، ولذلك زوده بنسخة عربية من الكتاب المقدس. وذهب عمر إلى الكنيسة المشيخية، ثم جرى تعميده مسيحياً عام 1821.
لكن قصة عمر لم تكن بهذه البساطة.
فبين صفحات كتبه وكتاباته العربية، ظهرت عبارات تكشف عن استمرار حضور إيمانه الإسلامي، ومنها «الحمد لله» و**«كل الخير من عند الله»**.
والأكثر إثارة أن عمر كتب سورة الفاتحة باللغة العربية، في نص كان يمكن لمن لا يعرف العربية أن يعتقد أنه صلاة مسيحية.
وفي موضع آخر، جمع بين جزء من المزامير ودعاء إسلامي، مستخدماً معرفته العميقة باللغة العربية والتراث الإسلامي بطريقة أتاحت له الاحتفاظ بجزء من هويته الدينية بعيداً عن أعين الآخرين.
سيرة كُتبت بعد عقود من الأسر
في عام 1831 تقريباً، كتب عمر سيرته الذاتية باللغة العربية، وكان قد بلغ 61 عاماً، بعد أكثر من عقدين من العبودية في الولايات المتحدة.
لم تكن السيرة طويلة، ولم تكن مرتبة وفق التسلسل الزمني التقليدي. بدأها بآيات من القرآن، ثم عاد إلى محطات أساسية من حياته: أسره في أفريقيا، الرحلة عبر المحيط، هروبه، اعتقاله، سجنه، ثم انتقاله إلى منزل جيمس أوين.
وفي واحدة من أكثر العبارات الإنسانية تأثيراً، كتب عمر معتذراً عن ضعف كتابته:«لقد طلبت مني أن أكتب حياتي... لقد نسيت حياتي كثيراً، وكذلك اللغة العربية... فأنا رجل ضعيف البصر، وهزيل الجسم.»
ورغم ذلك، بقيت كلماته حية بعد قرنين تقريباً.
انتقل عمر مع عائلة أوين عام 1836 إلى ويلمنغتون، ثم عاش لاحقاً في مزرعة على نهر كيب فير. ويُعتقد أنه توفي في سن تقارب 94 عاماً، لكن التفاصيل الدقيقة لوفاته لا تزال غير معروفة.
وثيقة تتحدى صورة «العبد الأمي»
تكمن أهمية قصة عمر بن سعيد في أنها لا تحكي فقط مأساة رجل اختُطف من أفريقيا وبِيع عبداً، بل تكشف أيضاً جانباً من تاريخ المسلمين الأفارقة الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة قسراً.
فمعرفة عمر بالقراءة والكتابة، وقدرته على استخدام العربية والقرآن، منحته وسيلة نادرة للتعبير عن ذاته في مجتمع حاول تحويل الإنسان المستعبد إلى مجرد قوة عمل بلا هوية أو تاريخ.
وبقيت سيرته مخفية لعقود طويلة، قبل أن تصل في النهاية إلى مكتبة الكونغرس، لتصبح واحدة من أبرز الشهادات المكتوبة التي تركها شخص مستعبد في الولايات المتحدة باللغة العربية.
وربما تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً في أن الرجل الذي فقد وطنه وحريته لم يفقد تماماً قدرته على رواية قصته.
اختُطف عمر بن سعيد من أفريقيا، لكن كلماته نجت.
قُيّد جسده، لكن لغته بقيت حرة.
وحين حاول التاريخ أن ينسيه، بقيت صفحاته العربية شاهدة على أنه كان أكثر من مجرد «عبد»؛ كان عالماً له وطن ودين وذاكرة وهوية.
