نساء في زمن الاحتلال.. الحب مع الجنود الألمان الذي انتهى بالعار وحلق الرؤوس في فرنسا

 

باريس 

بين عامي 1940 و1944، كانت فرنسا تعيش تحت الاحتلال الألماني، في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخها الحديث. وبينما كان الرجال الفرنسيون غائبين عن كثير من المدن والقرى، بين قتيل وأسير حرب ومقاتل في صفوف المقاومة أو مختبئ، ظهر في المشهد الاجتماعي واقع آخر أقل تناولًا في روايات الحرب: علاقات نشأت بين بعض النساء الفرنسيات والجنود الألمان المنتشرين في أنحاء البلاد.

لم تكن جميع هذه العلاقات متشابهة؛ فبعضها ارتبط بمشاعر عاطفية، بينما ارتبط بعضها الآخر بظروف الاحتلال وما فرضه من احتياجات يومية، مثل الحصول على الغذاء أو الحماية أو فرص أفضل للعيش. ولهذا يستخدم المؤرخون تعبير «التعاون الأفقي» لوصف جانب من العلاقات الحميمة بين نساء فرنسيات وأفراد من قوات الاحتلال، مع التأكيد على أن الاتهام بالتعاون لم يكن دائمًا قائمًا على علاقة عاطفية أو جنسية مثبتة.

وتظهر بعض الصور التاريخية نساء فرنسيات إلى جوار جنود ألمان، وأحيانًا وهن يرتدين أجزاء من الزي العسكري الألماني، في مشاهد أصبحت بعد سنوات وثائق بصرية على الحياة اليومية المعقدة داخل فرنسا المحتلة.

غياب الرجال ووجود الجنود الألمان

كان الاحتلال قد أعاد تشكيل الحياة الاجتماعية في المدن والقرى الفرنسية. آلاف الرجال كانوا أسرى في ألمانيا، وآخرون قتلوا أو انضموا إلى المقاومة، بينما أصبح الجنود الألمان جزءًا من المشهد اليومي في المناطق المحتلة.

وتشير تقديرات تاريخية إلى أن العلاقات بين الفرنسيات والجنود الألمان أسفرت عن نحو 200 ألف طفل من آباء ألمان، وإن كانت التقديرات تختلف بين الباحثين والمصادر.

لكن اختزال الظاهرة في فكرة «الخيانة» وحدها لا يعكس تعقيدها؛ فقد كانت دوافع النساء مختلفة، كما أن بعض النساء اللواتي تعرضن للعقاب بعد التحرير لم تثبت ضدهن علاقة حميمة أصلًا، بل كان يكفي أحيانًا العمل لدى الألمان أو تقديم خدمات لهم لإثارة الاتهامات بالتعاون.

صورة تحولت إلى رمز

مع اقتراب نهاية الاحتلال وتحرير المدن الفرنسية عام 1944، تبدلت المعادلة تمامًا.

فالنساء اللواتي اتُهمن بالتعاون مع المحتلين تعرضن في مناطق عديدة لعقوبات شعبية مهينة، كان أشهرها حلق الشعر أمام الناس، في محاولة لتحويل المرأة إلى رمز علني للعار.

وتشير تقديرات المؤرخ الفرنسي فابريس فيرجيلي إلى أن نحو 20 ألف امرأة تعرضن لحلق الرأس في فرنسا خلال فترة التطهير التي أعقبت التحرير، خصوصًا في صيف 1944، واستمرت حالات متفرقة حتى عام 1946.

ومن أشهر الصور في هذا السياق صورة التقطها المصور الأمريكي روبرت كابا في مدينة شارتر في أغسطس 1944، لامرأة تسير وسط حشد بعد حلق شعرها، وهي صورة أصبحت لاحقًا من أشهر رموز الانتقام الشعبي في فرنسا بعد التحرير.

عقوبة لم تكن قانونية دائمًا

المفارقة أن كثيرًا من عمليات الحلق لم تكن أحكامًا قضائية صادرة عن محاكم، وإنما كانت جزءًا من عمليات انتقام شعبي وتطهير غير رسمي. وتؤكد مصادر تاريخية أن بعض النساء تعرضن أيضًا للضرب أو التشهير أو العرض في الشوارع.

وفي أغسطس 1944، وثقت صور للقوات الأمريكية في فرنسا إحدى عمليات حلق شعر امرأة اتُّهمت بالتعاون مع الألمان في مدينة ميلون، وهو ما يوضح كيف تحولت العقوبة إلى مشهد علني أمام الجماهير.

وهكذا، لم تنتهِ قصة هؤلاء النساء بانسحاب الجيش الألماني من فرنسا. فبعد أربع سنوات من الاحتلال، بدأت مرحلة أخرى من الحساب والانتقام، وتحولت بعض النساء من شريكات أو متهمات بالتعاون مع المحتل إلى أهداف للعقاب العلني.

**كانت الحرب بالنسبة لهن قد بدأت بالاحتلال، لكنها بالنسبة إلى كثيرات لم تنتهِ مع التحرير؛ إذ حملن آثار تلك السنوات على أجسادهن وسمعتهن لسنوات طويلة بعد أن صمتت المدافع.

(قصة من ذاكرة الحرب العالمية الثانية)