وسط توتر واحتجاجات اليمين.. روما تعتمد مذكرة لمواجهة الإسلاموفوبيا
روما . اكرامى هاشم
في خطوة لافتة، أقرّ مجلس Municipio V في العاصمة الإيطالية روما مذكرة لمناهضة الإسلاموفوبيا والعنصرية المعادية للمسلمين، بعد جلسة اتسمت بالتوتر والاحتجاجات ووجود أمني مكثف.
وحصلت المذكرة على 13 صوتًا مؤيدًا مقابل 6 أصوات معارضة، لتصبح بذلك وثيقة سياسية محلية تتضمن إجراءات وتوصيات لمواجهة التمييز على أساس الدين وتعزيز حرية ممارسة الشعائر الدينية والتعايش داخل المنطقة.
ولا يمثل القرار قانونًا جنائيًا جديدًا يجرّم الإسلاموفوبيا على مستوى إيطاليا، وإنما هو مذكرة محلية صادرة عن مجلس البلدية الخامسة، تتضمن إجراءات لمواجهة التمييز الديني، ومتابعة أوضاع أماكن العبادة، وتعزيز التعاون بين المؤسسات والجالية المسلمة.
وتتضمن المذكرة العمل على إنشاء آليات محلية لرصد حالات التمييز والاستماع إلى الشكاوى، إلى جانب بحث أوضاع الأماكن المستخدمة لممارسة الشعائر الدينية، في إطار نقاش أوسع حول الحاجة إلى أماكن عبادة إسلامية ملائمة ومعترف بها.
جلسة ساخنة ومواجهات داخل البلدية
جاء التصويت في أجواء شديدة التوتر، بعدما تحولت جلسة المجلس إلى ساحة مواجهة بين مؤيدي المذكرة ومعارضيها.
وحضر أكثر من 200 شخص إلى محيط مقر البلدية، بينهم ممثلون عن جمعيات ومنظمات مدنية مؤيدة لمكافحة العنصرية والإسلاموفوبيا، إلى جانب شخصيات ومؤثرين معارضين للمبادرة، فيما انتشرت قوات الشرطة ووحدات مكافحة الشغب وشرطة الـDigos لتأمين المكان.
وشهدت الجلسة احتكاكات وهتافات متبادلة بين الطرفين، كما أثارت واقعة قيام أحد المعارضين بتمزيق ورقة تحمل العلم الفلسطيني احتجاجات داخل القاعة، قبل أن يتعرض الشخص نفسه لصفعة من أحد الحاضرين، وفق ما أوردته وسائل إعلام إيطالية.
كما تبادل الحاضرون الهتافات، وردد مؤيدون للقرار أغنية «Bella Ciao»، فيما رد معارضون بالنشيد الإيطالي، في مشهد عكس حجم الاستقطاب الذي سبق التصويت على المذكرة.
اعتراض من اليمين الإيطالي
وأثارت المذكرة اعتراضات من شخصيات محسوبة على اليمين الإيطالي، كان من بينها السيناتورة إستير ميلي من حزب Fratelli d’Italia، التي انتقدت ما اعتبرته استخدامًا سياسيًا لملف الإسلاموفوبيا، وطالبت بتوضيح دوافع طرح المذكرة.
وقالت ميلي إن التصويت يحتاج إلى مزيد من التوضيح، مشيرة إلى عدم وجود بلاغات مسجلة لديها عن وقائع إسلاموفوبيا في نطاق البلدية الخامسة، كما طرحت تساؤلات حول ملف أماكن العبادة والعلاقة بين الإدارة المحلية والمنظمات الإسلامية.
وعلى المستوى الإعلامي والشعبي، شاركت شخصيات ومؤثرون محسوبون على اليمين في الاعتراض على المذكرة، من بينهم ماسيميليانو زوسولو، مؤسس منصة Welcome to Favelas، وسيموني كارابيلا، اللذان ظهرا في محيط جلسات البلدية خلال الأيام السابقة للتصويت وخلاله.
وفي سياق الجدل الأوسع حول أنشطة الجالية الإسلامية، كان نائب رئيس مجلس النواب عن حزب Fratelli d’Italia فابيو رامبيلي قد انتقد في يوليو الماضي تخصيص فترات في أحد حمامات السباحة في روما للنساء فقط بالتعاون مع الجالية الإسلامية، معتبرًا أن الأمر يمثل، من وجهة نظره، إدخالًا لقواعد دينية في الحياة العامة.
الجالية الإسلامية ترحب بالقرار
وفي المقابل، رحبت الجالية الإسلامية في روما بالتصويت، معتبرة إياه خطوة مهمة في مواجهة التمييز وحماية حقوق المسلمين.ك
وقال أحمد فال ولد الداه، رئيس الجالية الإسلامية في روما (CIR)، في تصريح خاص لـنا، إن الجالية ترحب بالقرار وتثمّن موقف المجلس وكل من ساهم في تمريره، مشيدًا برئيس البلدية وبقربه من أبناء الجالية المسلمة في روما.
وأضاف أحمد فال أن الجالية لا تنظر إلى القرار باعتباره نهاية المطاف، وإنما باعتباره بداية لمسار يمكن البناء عليه خلال المرحلة المقبلة، معربًا عن تطلعه إلى عرض المبادرة على محافظ روما والعمل من أجل توسيع نطاقها لتشمل العاصمة بصورة أوسع.
وأكد أن الهدف، من وجهة نظر الجالية، ليس الحصول على امتيازات خاصة للمسلمين، وإنما ضمان المساواة أمام القانون، وحماية المواطنين من التمييز بسبب الدين، وإيجاد قنوات مؤسسية للتعامل مع الشكاوى والحالات التي يتعرض فيها أفراد أو أسر للتمييز بسبب انتمائهم الديني.
وتسعى الجالية، وفق هذا الطرح، إلى أن تتحول الخطوة المحلية في البلدية الخامسة إلى نقاش أوسع على مستوى مدينة روما، ثم إلى مبادرات مماثلة في مناطق إيطالية أخرى.
تحرك متزايد للجالية
ويأتي القرار في ظل تحرك متزايد للجالية الإسلامية في روما خلال الأشهر الأخيرة، سواء في ملف مكافحة التمييز أو في قضية تنظيم أوضاع أماكن العبادة.
وتؤكد الجالية أنها تسعى إلى تمثيل المسلمين والدفاع عن حقوقهم من خلال الحوار مع المؤسسات والمجتمع الإيطالي، مع التشديد على الالتزام بالقانون واللجوء إلى المؤسسات المختصة في التعامل مع حالات التمييز أو التحريض.
وكانت الجالية قد أعلنت في وقت سابق اتخاذ إجراءات قانونية ضد عدد من الشخصيات والحسابات التي قالت إنها روجت لخطاب تحريضي أو مسيء للمسلمين، مؤكدة أنها اختارت اللجوء إلى المؤسسات والقضاء بدلًا من الدخول في مواجهات خارج الأطر القانونية.
بعد مؤتمر «كلفة الإسلاموفوبيا في إيطاليا»
ويأتي التصويت بعد أيام قليلة من مؤتمر «كلفة الإسلاموفوبيا في إيطاليا» الذي عقد في روما ونظمته الجالية الإسلامية في روما بالتعاون مع جمعية Promus، وخصص لمناقشة ظاهرة الإسلاموفوبيا وآثارها السياسية والاجتماعية والقانونية.
وشهد المؤتمر نقاشات بمشاركة حقوقيين وباحثين وممثلين عن المجتمع المدني، تناولت صور التحيز والتمييز ضد المسلمين، والعلاقة بين الخطاب السياسي والتصورات الاجتماعية، وسبل حماية الحقوق وتعزيز التعايش.
وجاء قرار Municipio V بعد أيام من هذا المؤتمر، ليمنح النقاش حول الإسلاموفوبيا بعدًا مؤسساتيًا ومحليًا جديدًا، وينقل القضية من إطار النقاش المجتمعي إلى واحدة من قاعات المجالس المحلية في العاصمة الإيطالية.
من البلدية الخامسة إلى عموم روما وإيطاليا؟
وتأمل الجالية الإسلامية في أن تمثل هذه الخطوة بداية لمسار أوسع، يبدأ من البلدية الخامسة ويمتد إلى بقية أحياء روما، وصولًا إلى مناطق أخرى في إيطاليا.
ويرتبط هذا التحرك بملفين رئيسيين بالنسبة للجالية: مواجهة التمييز والإسلاموفوبيا من جهة، وتنظيم وضع أماكن العبادة الإسلامية من جهة أخرى.
وفي المقابل، يرى معارضو المذكرة أن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى أداة سياسية، وأن ملفات الأمن والتخطيط العمراني وأماكن العبادة يجب أن تخضع للقواعد العامة التي تنطبق على جميع المواطنين والجماعات الدينية.
وبينما انتهى التصويت في Municipio V بإقرار المذكرة بأغلبية 13 صوتًا مقابل 6، فإن الجدل الذي سبق التصويت وأحاط به يشير إلى أن النقاش حول الإسلاموفوبيا وحقوق المسلمين وحرية العبادة في إيطاليا مرشح للاستمرار، مع سعي الجالية الإسلامية إلى نقل التجربة من المستوى المحلي إلى نطاق أوسع داخل العاصمة ثم على المستوى الوطني.



