سماء العلمين تشتعل.. مصر تجمع عمالقة الطيران والفضاء في أكبر استعراض جوي دولي
«سو-57» الروسية تظهر لأول مرة في إفريقيا.. ورافال الفرنسية وF-15 الأمريكية و«النسور السوداء» الكورية و«سارانج» الهندية ترسم لوحات استثنائية فوق البحر المتوسط
العلمين – فتحي الضبع
على امتداد الساحل الشمالي المصري، لم تكن مدينة العلمين الجديدة على موعد مع حدث سياحي أو اقتصادي عابر، وإنما تحولت خلال أيام قليلة إلى مسرح عالمي لصناعة الطيران والفضاء، حيث اجتمعت أحدث الطائرات المقاتلة والمدنية والمروحيات وأنظمة الفضاء والتكنولوجيا الجوية، في مشهد يعكس المكانة المتنامية لمصر على خريطة صناعة الطيران والدفاع العالمية.
واستضافت مدينة العلمين الجديدة فعاليات النسخة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء «EIAS 2026»، خلال الفترة من 8 إلى 10 سبتمبر ا بمطار العلمين الدولي، وسط مشاركة دولية واسعة من قوى كبرى في صناعة الطيران والدفاع والفضاء، إلى جانب فرق الاستعراض الجوي التي جاءت من عدة دول لتقدم عروضًا في سماء البحر المتوسط.
المعرض الذي تنظمه مصر لا يقتصر على عرض الطائرات أمام الجمهور، وإنما يقدم نفسه باعتباره منصة دولية تجمع صناع القرار والقادة العسكريين وشركات الطيران والفضاء والدفاع، لبحث مستقبل الصناعة والتكنولوجيا، وفتح قنوات جديدة للتعاون والاستثمار ونقل التكنولوجيا.
افتتاح رئاسي ورسالة مصرية إلى العالم
وافتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي فعاليات النسخة الثانية من معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء، في حضور عدد من كبار المسؤولين المصريين والدوليين، بينهم رئيس جمهورية قبرص، ورئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، ووزير الدفاع والإنتاج الحربي، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة، ووزير الطيران المدني، وقائد القوات الجوية المصرية.
ويحمل الحضور الرسمي رفيع المستوى دلالة واضحة على الأهمية التي توليها القاهرة للمعرض، باعتباره أحد الفعاليات الدولية التي يمكن أن تسهم في دعم قطاع الطيران، وتعزيز الصناعات الجوية والفضائية، وفتح مجالات جديدة للتعاون مع الشركات العالمية.
ومنذ انطلاق فعالياته، بدا واضحًا أن مصر تريد للمعرض أن يتجاوز فكرة «المعرض الجوي» التقليدي، وأن يتحول إلى منصة تجمع بين الطيران والدفاع والفضاء والذكاء الاصطناعي والطائرات دون طيار والتكنولوجيا الحديثة.
«سو-57» تخطف الأنظار.. الظهور الإفريقي الأول للمقاتلة الروسية
وكانت المقاتلة الروسية Su-57 واحدة من أبرز نجوم معرض العلمين 2026، بعدما سجلت ظهورها الأول في قارة إفريقيا خلال المشاركة الروسية في المعرض.
وتكتسب مشاركة المقاتلة الروسية أهمية خاصة باعتبارها إحدى أبرز المقاتلات الروسية الحديثة، كما أن ظهورها في مصر يمنح المعرض بعدًا دوليًا إضافيًا، في ظل التنافس العالمي المتزايد في مجال الطائرات المقاتلة وتقنيات الحرب الجوية.
ولم تقتصر المشاركة الروسية على الطائرات، إذ شهد المعرض عرض تقنيات وأنظمة أخرى مرتبطة بالصناعات الدفاعية، في وقت تسعى فيه موسكو إلى توسيع حضورها في الأسواق الإفريقية والدولية.
وتزامن ذلك مع اهتمام دولي كبير بالمشاركة الروسية، الأمر الذي جعل المقاتلة «سو-57» واحدة من أكثر الطائرات التي جذبت أنظار الزوار ووسائل الإعلام في العلمين.
من موسكو إلى واشنطن.. الطائرات الأمريكية تحضر بقوة
وفي الجانب الآخر، جاءت المشاركة الأمريكية لتؤكد الطابع العالمي للحدث، حيث حضرت الولايات المتحدة بمجموعة من المنصات الجوية التي تمثل مدارس مختلفة في الطيران العسكري.
ومن أبرز الطائرات الأمريكية المشاركة F-15 Eagle، إلى جانب الطائرة الهجومية A-10 Thunderbolt II، وطائرة التزود بالوقود جوًا KC-46 Pegasus.
ويعكس هذا التنوع أهمية المعرض بالنسبة لصناعة الطيران والدفاع، حيث لا تقتصر العروض على المقاتلات، وإنما تشمل أيضًا طائرات الدعم والإمداد والتزود بالوقود، وهي عناصر أساسية في منظومات القوة الجوية الحديثة.
الصين تدخل سماء العلمين.. مقاتلات وإنذار مبكر وتزويد بالوقود
أما الصين، فقد سجلت حضورًا لافتًا من خلال مشاركة القوات الجوية لجيش التحرير الشعبي الصيني بمجموعة من الطائرات والمنصات الجوية.
وتضمنت المشاركة طائرات مقاتلة وطائرات للإنذار المبكر والتحكم الجوي، وطائرات للتزود بالوقود جوًا، إلى جانب مروحيات.
وتعكس المشاركة الصينية الاهتمام المتزايد من بكين بالأسواق الدولية في مجالات الطيران والدفاع والتكنولوجيا، كما تمنح الشركات الصينية فرصة للتواصل مع وفود عسكرية وصناعية جاءت إلى مصر من مناطق مختلفة من العالم.
وبذلك أصبحت سماء العلمين خلال أيام المعرض ساحة تجمع بين التكنولوجيا الجوية القادمة من الشرق والغرب في مشهد نادر على الأراضي الإفريقية.
رافال الفرنسية.. حضور أوروبي بارز في العلمين
ومن فرنسا، حضرت المقاتلة رافال لتقدم عرضًا جويًا استعراضيًا، في تأكيد جديد على قوة الحضور الأوروبي في معرض العلمين.
وتحظى الرافال باهتمام خاص في مصر، بعدما أصبحت جزءًا رئيسيًا من أسطول القوات الجوية المصرية، وهو ما يجعل مشاركتها في المعرض ذات أهمية تتجاوز العرض الجوي، إلى كونها تعكس عمق التعاون بين القاهرة وباريس في مجال الطيران والدفاع.
وقدمت المقاتلة الفرنسية عرضًا منفردًا أظهر قدرتها العالية على المناورة والسرعة وتغيير الاتجاهات خلال التحليق.
الهند تفاجئ الجمهور.. «سارانج» ترسم لوحات جوية بخمس مروحيات
ومن بين أكثر العروض التي جذبت اهتمام الجمهور فريق Sarang الهندي للاستعراضات الجوية.
ويستخدم الفريق المروحيات الهندية HAL Dhruv، ويقدم عروضًا تعتمد على الدقة العالية والتنسيق الجماعي بين الطيارين.
وتكتسب المشاركة الهندية أهمية خاصة لأنها لا تقدم مجرد عرض استعراضي، وإنما تتيح للهند استعراض قدراتها في مجال صناعة الطائرات والمروحيات أمام جمهور دولي كبير.
وكانت المروحيات الهندية وهي ترسم تشكيلاتها المتزامنة فوق العلمين واحدة من المشاهد التي أضفت طابعًا استثنائيًا على فعاليات المعرض.
«النسور السوداء» الكورية.. دقة مذهلة في سماء المتوسط
ولم تكن الهند وحدها التي خطفت الأنظار بالعروض الجوية، إذ شاركت كوريا الجنوبية بفريق Black Eagles – النسور السوداء، مستخدمًا طائرات T-50B.
وقدّم الفريق تشكيلات جوية دقيقة ومناورات متزامنة، تعكس مستوى التطور الذي وصلت إليه صناعة الطيران الكورية الجنوبية.
وتحمل المشاركة الكورية كذلك رسالة صناعية، إذ أصبحت كوريا الجنوبية لاعبًا متناميًا في سوق الطائرات العسكرية والتدريبية، وتسعى شركاتها إلى توسيع حضورها في الأسواق العالمية.
السعودية والإمارات وتركيا وبريطانيا.. سماء العلمين تجمع أشهر فرق الاستعراض
وامتد الحضور إلى عدد من الدول العربية والدولية، حيث شارك فريق الصقور السعودية في العروض الجوية، إلى جانب فريق الاستعراضات الجوية الإماراتي.
كما سجلت بريطانيا حضورها من خلال فرق الاستعراض التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، بينما شاركت تركيا بفريق النجوم التركية، أحد أشهر فرق الاستعراض الجوي في العالم.
ومع تعدد الفرق والطائرات المشاركة، تحولت سماء العلمين إلى مسرح مفتوح لعروض جوية متتابعة، جمعت مدارس مختلفة في الطيران وأساليب متنوعة في المناورة والاستعراض.
المعرض لا يتوقف عند الطائرات.. الفضاء يدخل المنافسة
ورغم أن الطائرات المقاتلة والاستعراضات الجوية كانت الأكثر جذبًا للجمهور، فإن البعد الأهم في معرض العلمين ربما يكمن خلف الطائرات نفسها.
فالمعرض يولي اهتمامًا كبيرًا بقطاع الفضاء والأقمار الصناعية والتكنولوجيا المتقدمة، بما يتماشى مع التحولات السريعة التي يشهدها العالم في صناعة الفضاء.
وطرحت فعاليات المعرض عددًا من الملفات المرتبطة بمستقبل الصناعة، من بينها الذكاء الاصطناعي، والطائرات ذاتية التشغيل، والطائرات دون طيار، والأنظمة المتقدمة، والأقمار الصناعية، وتكنولوجيا الفضاء.
وهنا تتحول رسالة المعرض من مجرد استعراض للقوة الجوية إلى نقاش حول شكل الطيران والحروب والاتصالات والاستكشاف الفضائي خلال العقود المقبلة.
مصر تريد توطين التكنولوجيا.. الصناعة المحلية حاضرة
وفي قلب هذا المشهد الدولي، تظهر المشاركة المصرية باعتبارها أحد المحاور الأساسية للمعرض.
وشاركت مؤسسات وشركات مصرية في عرض منتجاتها وقدراتها في مجالات الطيران والدفاع والتكنولوجيا، إلى جانب مشاركة وزارة الإنتاج الحربي والجهات المصرية العاملة في مجال الفضاء والطيران.
وتسعى القاهرة من خلال هذه المشاركات إلى دعم توجهها نحو توطين الصناعات والتكنولوجيا وتعميق التصنيع المحلي، والاستفادة من المعرض في بناء شراكات مع الشركات الدولية.
ولا ينفصل ذلك عن رغبة مصر في تطوير قدراتها في مجال الصناعات الجوية والفضائية، والاستفادة من موقعها الجغرافي الذي يجعلها نقطة اتصال بين الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية.















