فريدون ينيساي.. 52 عاماً في خدمة القانون الجنائي التركي وذاكرة حية للإجراءات الجنائية
تركيا .تحسين بابات
كيف يُقاس أثر رجل القانون في مسيرته الطويلة؟ هل بعدد مؤلفاته، أم بالأجيال التي تتلمذت على يديه، أم بإسهاماته في تطوير التشريعات، أم بما قدمه للقضاة والمدعين العامين والمحامين وأجهزة إنفاذ القانون؟
في حالة البروفيسور الدكتور فريدون ينيساي، الذي أتم عامه الثاني والثمانين في 17 سبتمبر/أيلول 2026، تبدو الإجابة أكثر شمولاً؛ إذ تجمع مسيرته الممتدة لأكثر من خمسة عقود بين البحث الأكاديمي، والتدريس، والتدريب القانوني، والعمل المتصل بإعداد التشريعات، والانفتاح على التجارب القانونية الدولية.
وبذلك لا تمثل سيرته مجرد رحلة أستاذ جامعي، وإنما توثّق جانباً من تطور القانون الجنائي وقانون الإجراءات الجنائية في تركيا خلال العقود الماضية.
من موغلا إلى أروقة الجامعات
وُلد فريدون ينيساي في موغلا عام 1944، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة إسطنبول عام 1970. وبعد عام واحد، بدأ مسيرته الأكاديمية مساعداً في قسم القانون الجنائي وأصول المحاكمات الجنائية بالكلية.
وحصل على الدكتوراه عام 1978، ثم أصبح أستاذاً مشاركاً عام 1983، قبل أن ينال درجة الأستاذية عام 1989.
وفي عام 1990 انتقل إلى كلية الحقوق بجامعة مرمرة، ثم واصل مسيرته الأكاديمية لاحقاً في جامعة بهتشه شهير، حيث ظل حاضراً في مجال التدريس والبحث القانوني.
بين النظرية والتطبيق
لم يحصر ينيساي اهتمامه في الدراسات النظرية، بل امتد نشاطه إلى الجانب العملي من منظومة العدالة الجنائية.
وشارك في برامج تدريبية موجهة إلى أجهزة إنفاذ القانون، كما قام بالتدريس في مدارس الشرطة، بينما شكلت موضوعات الإجراءات الجنائية، والقانون الجنائي المقارن، وحقوق الإنسان، وقانون الشرطة، محاور بارزة في إنتاجه الأكاديمي.
وتكتسب هذه الموضوعات أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالحقوق والحريات، بدءاً من إجراءات القبض والتوقيف والاستجواب، مروراً بالتفتيش وضبط الأدلة ومراقبة الاتصالات، وصولاً إلى حقوق الدفاع وطرق الطعن في الأحكام.
الأدلة ومراقبة الاتصالات والقانون المقارن
تناولت أبحاث ينيساي مجموعة واسعة من قضايا القانون الجنائي والإجراءات الجنائية، من بينها مشروعية الأدلة، ومراقبة الاتصالات، والقانون الجنائي المقارن والدولي، إلى جانب قانون الشرطة.
كما تعاون مع الباحث الألماني Gottfried Plagemann في أعمال تناولت قانون العقوبات الألماني، وأسهمت هذه الجهود في تعزيز حضور الدراسات القانونية الألمانية في الأدبيات القانونية التركية.
ويكشف هذا المسار عن اهتمام أكاديمي يتجاوز دراسة النص القانوني إلى مقارنته بتجارب قانونية أخرى وربطه بقضايا حقوق الإنسان وتطبيقات مؤسسات العدالة وأجهزة إنفاذ القانون.
إسهام في أعمال إعداد التشريعات
ومن المحطات المهمة في مسيرة ينيساي مشاركته في أعمال اللجان المرتبطة بإعداد مشروعات التشريعات الجنائية التركية، بما في ذلك الأعمال المتعلقة بمشروعات قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية.
والأدق في توصيف هذا الدور أنه كان من الأكاديميين الذين قدموا إسهامات علمية في أعمال إعداد التشريعات، وليس باعتباره واضعاً منفرداً لهذه القوانين.
«فريدون الاستئناف»
ارتبط اسم ينيساي بصورة خاصة بموضوع الاستئناف في الإجراءات الجنائية.
فقد تناولت أطروحته للدكتوراه الاستئناف باعتباره أحد طرق الطعن في الإجراءات الجنائية، وواصل البحث في هذا المجال خلال مسيرته الأكاديمية.
ووصل هذا الارتباط إلى استخدام تعبير «İstinaf Feridun»، أي «فريدون الاستئناف»، خلال إحدى مناقشات الجمعية العامة للبرلمان التركي.
والتعبير ليس لقباً رسمياً أو أكاديمياً، لكنه يعكس حضور موضوع الاستئناف في المسار العلمي للرجل.
حضور دولي وانفتاح على التجارب القانونية
لم تتوقف مسيرة ينيساي عند حدود تركيا، فقد أجرى أبحاثاً في النمسا وألمانيا، وشارك في أنشطة أكاديمية وتدريس القانون الجنائي المقارن في عدد من كليات الحقوق بالولايات المتحدة.
وتناولت مشاركاته الدولية موضوعات متعددة، بينها مكافحة الاتجار بالبشر، وإصلاحات القانون الجنائي التركي، والرقابة بالفيديو في الأماكن العامة، والوساطة في الإجراءات الجنائية.
في عامه الـ82.. يواصل التدريس والبحث
ورغم مرور أكثر من نصف قرن على بداية مسيرته الأكاديمية، لم يتحول نشاط ينيساي إلى مجرد سجل من الإنجازات السابقة.
فخلال صيف عام 2026، استمر التعاون الأكاديمي بين University of Kansas School of Law وجامعة بهتشه شهير من خلال برنامج دراسي امتد ثلاثة أسابيع في إسطنبول، خلال الفترة من 13 يوليو/تموز إلى الأول من أغسطس/آب.
وضم البرنامج مقرراً بعنوان Transnational Criminal Procedure – الإجراءات الجنائية العابرة للحدود، وكان ينيساي من أعضاء الهيئة الأكاديمية المرتبطين بالمقرر، حيث تناولت دروسه موضوعات متصلة بالإجراءات الجنائية العابرة للحدود.
1200 صفحة جديدة في سبتمبر
وفي سبتمبر/أيلول 2026، أضاف ينيساي عملاً جديداً إلى مكتبته القانونية، من خلال كتاب «Uygulamalı Ceza Muhakemesi Kanunu»، الذي أعده بالاشتراك مع Özkan Balcı.
ويقع الكتاب في نحو 1200 صفحة، ويتناول قانون الإجراءات الجنائية والتشريعات الحديثة ذات الصلة، إلى جانب قرارات المحكمة الدستورية ومحكمة النقض التركية.
ووفقاً لما أورده الناشر، يهدف الكتاب إلى تقديم صورة محدثة لقانون الإجراءات الجنائية التركي كما هو قائم في عام 2026، مع تضمين التعديل المنشور في أغسطس/آب 2026 والمتعلق بالمادة 174 من قانون الإجراءات الجنائية.
ويمنح صدور هذا العمل في العام الثاني والثمانين من عمر ينيساي دلالة واضحة على استمرار حضوره في البحث والتأليف القانوني.
نصف قرن من المعرفة القانونية
تكشف مسيرة فريدون ينيساي عن تجربة أكاديمية جمعت بين الكتاب والقانون، وبين قاعة الدرس ومؤسسات إنفاذ القانون، وبين التشريع الوطني والتجارب القانونية الدولية.
فقد كتب في القانون، ودرّس أجيالاً من طلاب الحقوق، وشارك في أنشطة تدريبية، وأسهم بأبحاثه في النقاشات المتعلقة بالتشريعات والإجراءات الجنائية، كما واصل إنتاجه العلمي حتى عام 2026.
ولهذا يمكن النظر إلى البروفيسور الدكتور فريدون ينيساي باعتباره أحد الوجوه البارزة في الذاكرة الأكاديمية لقانون الإجراءات الجنائية التركي؛ ليس فقط بسبب ما تركه من مؤلفات وأبحاث، وإنما أيضاً بسبب الأجيال القانونية التي مرّت عبر تجربته العلمية.
فالقوانين تُكتب في النصوص، وتُطبّق داخل المؤسسات، وتتطور عبر القضاء والفقه القانوني، لكن انتقال الثقافة القانونية من جيل إلى آخر يظل مرتبطاً بالأساتذة الذين يصنعون المعرفة ويحملونها إلى الأجيال التالية.
وفي حالة ينيساي، تبدو هذه الرحلة مستمرة؛ فما بدأه أستاذاً شاباً في جامعة إسطنبول قبل أكثر من نصف قرن، لا يزال حاضراً في قاعات الدرس والكتب والأبحاث حتى عامه الثاني والثمانين.
