البرازيل تنتخب رئيسها وسط مواجهة حاسمة بين لولا وبولسونارو الابن
تقرير .فتحي الضبع
تتجه أنظار أمريكا اللاتينية والعالم إلى البرازيل، اليوم الأحد، مع بدء التصويت في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، في واحدة من أكثر الاستحقاقات السياسية أهمية في تاريخ أكبر دول القارة، وسط منافسة شديدة الاستقطاب يتصدرها الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، والسِناتور فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو.
ويخوض البرازيليون الانتخابات في ظل انقسام سياسي واجتماعي واضح بين تيار يساري يقوده لولا، وتيار يميني محافظ يستند بدرجة كبيرة إلى الإرث السياسي لبولسونارو، بينما تحاول مجموعة من المرشحين الآخرين اختراق الثنائية التي هيمنت على المشهد الانتخابي. وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أن السباق يتجه على الأرجح إلى جولة ثانية في 25 أكتوبر، ما لم يتمكن أحد المرشحين من تجاوز نصف الأصوات الصحيحة في الجولة الأولى.
158.7 مليون ناخب أمام صناديق الاقتراع
ووفق البيانات الرسمية للمحكمة الانتخابية العليا البرازيلية، يبلغ عدد الناخبين المسجلين في انتخابات 2026 نحو 158.745 مليون ناخب، بزيادة قدرها نحو 2.29 مليون ناخب مقارنة بانتخابات عام 2022.
وتفتح مراكز الاقتراع أبوابها من الثامنة صباحًا وحتى الخامسة مساءً بتوقيت برازيليا، فيما تشمل الانتخابات، إلى جانب الرئيس ونائبه، انتخابات حكام الولايات وأعضاء مجلس الشيوخ ومجلس النواب والمجالس التشريعية للولايات. أما البرازيليون المقيمون خارج البلاد فيصوتون في الانتخابات الرئاسية ونائب الرئيس فقط.
وتكتسب أصوات النساء أهمية خاصة، إذ يمثلن نحو 52.84% من إجمالي الهيئة الناخبة، فيما شهدت القاعدة الانتخابية ارتفاعًا في نسبة الناخبين الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر.
لولا.. معركة الولاية الرابعة
يدخل لولا، البالغ من العمر 80 عامًا، الانتخابات بحثًا عن ولاية رئاسية رابعة غير متتالية، مستندًا إلى قاعدة سياسية واسعة ارتبطت تاريخيًا بحزب العمال وبرامج الدعم الاجتماعي، خصوصًا بين الطبقات الأقل دخلًا وفي منطقة الشمال الشرقي.
ويحاول الرئيس الحالي تقديم حصيلة فترة حكمه باعتبارها مزيجًا من خفض مستويات عدم المساواة وتحسين سوق العمل وتعزيز دور الدولة في الاستثمار والسياسات الاجتماعية.
لكن حملته تواجه في المقابل انتقادات تتعلق بالتضخم وارتفاع أعباء الأسر والدين الاستهلاكي، إلى جانب قضايا فساد ومخاوف بشأن الجريمة والأمن العام، وهي ملفات تحاول المعارضة توظيفها ضد الحكومة.
فلافيو بولسونارو.. الابن يحمل راية اليمين
في الجانب الآخر، يخوض فلافيو بولسونارو، عضو مجلس الشيوخ، أول سباق رئاسي له، واضعًا نفسه في قلب المشروع السياسي المحافظ الذي أسسه والده الرئيس السابق جايير بولسونارو.
ويعتمد فلافيو بصورة كبيرة على القاعدة الانتخابية المحافظة، ولا سيما الناخبين الإنجيليين وقطاعات من الطبقة الوسطى والناخبين في جنوب البلاد، كما يركز خطابه على مكافحة الجريمة، وتشديد سياسات الأمن، وتقليص حجم الدولة والإنفاق الحكومي.
كما يمثل ملف والده المسجون أحد أكثر الملفات حساسية في حملته؛ إذ تعهد فلافيو بالسعي إلى إصدار عفو عن والده، الذي يواجه حكمًا بالسجن على خلفية قضية مرتبطة بمحاولة قلب نتائج انتخابات 2022.
ويرتبط فلافيو سياسيًا بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويدعو إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بما في ذلك التعاون في مجالات المعادن الحيوية، فضلًا عن مواقف أكثر تقاربًا مع واشنطن وإسرائيل في ملفات السياسة الخارجية.
الأرقام تكشف انتخابات بلا فائز واضح
وأظهر أحدث استطلاع لـ«داتا فولها» أُجري بين 29 سبتمبر و1 أكتوبر وشمل 2506 ناخبين في 152 بلدية، حصول لولا على 45% من الأصوات الصحيحة مقابل 40% لفلافيو بولسونارو، بينما جاء الكاتب أوغوستو كوري في المركز التالي بـ4%، ورونالدو كايادو ورينان سانتوس بـ3% لكل منهما. وبلغ هامش الخطأ نقطتين مئويتين.
لكن المفارقة الأكثر أهمية تظهر في سيناريو الجولة الثانية؛ إذ حصل لولا على 48% مقابل 45% لفلافيو، وهي نتيجة تقع ضمن هامش الخطأ، ما يعني تعادلًا فنيًا ويجعل نتيجة الجولة الثانية مفتوحة على احتمالات متعددة.
كما أظهر الاستطلاع أن كلا المرشحين الرئيسيين يواجهان نسبة رفض مرتفعة بلغت 45% لكل منهما، وهي ظاهرة تعكس عمق الاستقطاب السياسي في البلاد.
اقتصاد وأمن.. الملفان الأكثر تأثيرًا
ولا تدور المعركة الانتخابية في البرازيل حول الأيديولوجيا وحدها، وإنما حول سؤال اقتصادي أساسي: ما الدور الذي يجب أن تلعبه الدولة في الاقتصاد؟
ففي الوقت الذي يدافع فيه لولا عن استمرار الاستثمار الحكومي وبرامج الحماية الاجتماعية، يطرح فلافيو بولسونارو برنامجًا أكثر ميلًا إلى خفض الإنفاق الحكومي وتقليص عدد الوزارات وتطبيق سقف جديد للإنفاق.
ويأتي الأمن في المرتبة الثانية من حيث التأثير على الناخبين، بعدما أصبحت الجريمة المنظمة والعنف وارتفاع معدلات قتل الشرطة من أبرز القضايا التي تشغل الرأي العام البرازيلي، الأمر الذي يمنح خطاب اليمين المتشدد فرصة واسعة للتأثير في الناخبين.
البرازيل بين واشنطن والعالم
ولا تقتصر أهمية الانتخابات على الداخل البرازيلي؛ فنتيجتها ستؤثر أيضًا في السياسة الخارجية لأكبر دولة في أمريكا اللاتينية.
فالبرازيل عضو رئيسي في مجموعة «بريكس»، وقوة اقتصادية وتجارية كبيرة، ولها مصالح استراتيجية مع الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي ودول الجنوب العالمي.
ويرى مراقبون أن وصول لولا إلى ولاية جديدة سيعني استمرار سياسة خارجية أكثر استقلالًا عن واشنطن، مع التركيز على تعددية الأقطاب وتعزيز العلاقات مع دول الجنوب، بينما قد يدفع فوز فلافيو بولسونارو باتجاه تقارب أكبر مع الولايات المتحدة وتغيير نسبي في أولويات السياسة الخارجية.
أمازونيا والمناخ في الخلفية
وتبقى قضية الأمازون واحدة من الملفات التي تمنح الانتخابات البرازيلية أهمية عالمية، بالنظر إلى الدور المحوري للبرازيل في حماية أكبر غابة استوائية في العالم ومكافحة إزالة الغابات وتغير المناخ.
ومن شأن توجه الحكومة المقبلة في ملف الأمازون والطاقة والزراعة والصناعات الاستخراجية أن يؤثر ليس فقط على الاقتصاد البرازيلي، وإنما أيضًا على النقاش الدولي بشأن المناخ والتنوع البيولوجي.
12 مرشحًا.. لكن المعركة الحقيقية ثنائية
وعلى الرغم من وجود 12 ترشيحًا رئاسيًا معتمدًا وفق المحكمة الانتخابية العليا، فإن المنافسة الفعلية تتركز بصورة كبيرة بين لولا وفلافيو بولسونارو. ومن أبرز المرشحين الآخرين رونالدو كايادو، وروميو زيما، وأوغوستو كوري، ورينان سانتوس، إلى جانب مرشحين يمثلون أحزابًا وتيارات يسارية ويمينية أصغر.
وكانت المحكمة الانتخابية العليا قد رفضت بالإجماع تسجيل ترشيح بابلو مارشال، بسبب عدم استيفاء متطلبات الانضمام الحزبي القانونية، فضلًا عن وضعه القانوني الذي يمنعه من الترشح حتى عام 2032.
الجولة الأولى قد تكون بداية المعركة لا نهايتها
وفي ظل تقارب الأرقام وارتفاع معدلات رفض المرشحين الرئيسيين، تبدو الجولة الأولى أقرب إلى عملية فرز سياسي واسعة منها إلى حسم نهائي.
فالاختبار الحقيقي سيبدأ إذا انتقل لولا وفلافيو إلى الجولة الثانية، حيث ستصبح أصوات المرشحين الذين سيخرجون من السباق، ولا سيما المرشحين من تيارات الوسط واليمين، عاملًا حاسمًا في تحديد الرئيس المقبل.
ومن هنا، فإن 25 أكتوبر قد يتحول إلى الموعد الأكثر أهمية في المشهد السياسي البرازيلي، إذا لم ينجح أي مرشح في الحصول على أكثر من نصف الأصوات الصحيحة اليوم.
انتخابات تتجاوز اسم الرئيس
وتأتي انتخابات 2026 في لحظة لا تختار فيها البرازيل رئيسًا جديدًا فحسب، وإنما تعيد تحديد اتجاهها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي خلال السنوات المقبلة.
وبين لولا الذي يطرح استمرار مشروع الدولة الاجتماعية واليسار البرازيلي، وفلافيو بولسونارو الذي يسعى إلى إعادة تثبيت التيار المحافظ وإحياء الإرث السياسي لوالده، تبدو صناديق الاقتراع أمام اختبار جديد لديمقراطية ما زالت تعيش تحت تأثير الانقسام السياسي الحاد.
وبغض النظر عن نتيجة الجولة الأولى، فإن الرسالة الأبرز التي تحملها انتخابات البرازيل هذا العام هي أن الاستقطاب بين اللولية والبولسونارية لم ينتهِ، وإنما دخل مرحلة جديدة قد تحدد شكل البرازيل وعلاقاتها بالعالم لسنوات قادمة.
