«دولة خويا المستقلة».. حين تتخلى الجمهورية الفرنسية عن أبنائها في الأحياء الفقيرة
باريس.سولافة مجدى
شاهدتُ خلال الاحتجاجات التي شهدتها مدينة مارسيليا أعدادًا من المشاركين وهم يقتحمون بعض محال الملابس والإلكترونيات ومتاجر التسوق، وينقلون ما بداخلها من بضائع، ومن بينها متاجر «مونوبري» (Monoprix)، التي ارتبطت في تجربتي الشخصية بصورة من التعامل الطبقي الفج مع الأشخاص الذين تبدو عليهم محدودية الدخل.
ومع نهاية اليوم، طالعتُ في بعض الصحف تصريحات لمسؤولين يصفون من قاموا بهذه الأعمال بأنهم «مندسون» و«مخربون»، وينفون عنهم صفة المتظاهرين. عندها شعرتُ بأن المشهد يُقرأ من زاوية واحدة، وأن هناك جزءًا أساسيًا من الحقيقة يجري تجاهله عمدًا أو تغافلًا.
فخلف صور النهب والتخريب، ثمة واقع اجتماعي واقتصادي بالغ القسوة، لا يمكن فهم ما يجري بمعزل عنه. نحن نتحدث عن بلد ارتفعت فيه أسعار السلع الغذائية بأكثر من 22% منذ عام 2021، وعن مدينة مثل مارسيليا يبلغ فيها معدل الفقر نحو 28%، فيما تصل النسبة في بعض الأحياء إلى 55%، وفقًا للأرقام الواردة في هذا السياق.
كيف يمكننا أن نفهم غضب شاب يعيش في بلد يعاني فيه عدد كبير من الطلاب من ضائقة مالية خانقة، ويضطر بعضهم إلى تدبير حياته بأقل من 400 يورو شهريًا، لا يتبقى منها سوى نحو 100 يورو بعد سداد الإيجار؟
لا أطرح هذه الأسئلة لتبرير النهب أو الاعتداء على الممتلكات، وإنما لمحاولة فهم الظروف التي تدفع بعض الأشخاص إلى الانفجار، بعدما تضيق أمامهم سبل العيش الكريم، وتتآكل قدرتهم على الاحتمال يومًا بعد يوم.
الشباب الذين رأيتهم في الشوارع لم يكونوا جميعًا أصحاب أجندات سياسية، ولا يمكن اختزالهم في صورة واحدة. كان بين هؤلاء من ينتمون إلى الطبقات الكادحة، وعمال يستنزفون أجسادهم لساعات طويلة مقابل أجور بالكاد تكفي احتياجاتهم الأساسية، وأمهات عاملات لا تسعفهن المساعدات الاجتماعية في إكمال الشهر دون الوقوع في ضائقة جديدة.
هؤلاء لا يعيشون على هامش الأزمة، بل في قلبها. إنهم يواجهون يوميًا معركة صامتة من أجل الطعام والإيجار والفواتير، بينما يُطلب منهم، كلما ارتفعت أصواتهم، أن يتحلوا بالصبر وأن يحترموا قواعد الجمهورية.
لكن أي جمهورية هذه التي تطالب مواطنيها باحترام القانون، بينما يعجز بعضهم عن تأمين أبسط مقومات الحياة؟
في بيلزانس.. جمهورية أخرى خلف واجهة المدينة
على بُعد خطوات من مشاهد الاحتجاجات، وفي حي «بيلزانس» (Belsunce)، بدت المأساة أكثر وضوحًا. هناك، حيث الفقر المدقع والشوارع الضيقة والمباني المتهالكة والقمامة المتراكمة، تتكشف صورة أخرى لمدينة لا تشبه تلك التي تظهر في البطاقات السياحية.
في هذا الحي، بدا أن الحياة تسير وفق قواعد مختلفة. لم تتوقف تجارة السجائر، ولم يتراجع بعض بائعي المخدرات عن نشاطهم المعتاد على نواصي الشوارع، حتى وسط أجواء الاحتجاجات والاضطرابات.
لا يعني ذلك أن الفقر يبرر الاتجار بالمخدرات أو أن الجريمة تصبح مقبولة حين تضيق سبل العيش؛ لكنه يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: كيف تحولت بعض الأنشطة غير القانونية، بالنسبة إلى أشخاص يعيشون على هامش المجتمع، إلى مصدر دخل يصعب الاستغناء عنه في ظل غياب البدائل الكافية؟
حين تصبح فرص العمل محدودة، وتبدو المؤسسات الرسمية بعيدة عن احتياجات السكان، ويتمدد الاقتصاد الموازي داخل الأحياء المهمشة، فإننا لا نكون أمام مشكلة أمنية فحسب، بل أمام أزمة اجتماعية عميقة تتجاوز قدرة الحلول الأمنية وحدها على احتوائها.
إنها حياة موازية نشأت داخل المدينة، لها مصادر دخلها غير الرسمية، وشبكاتها الاجتماعية، وقواعدها الخاصة، وطرقها في البقاء. وكلما ابتعدت مؤسسات الدولة عن هذه الأحياء، ازدادت المسافة بين القانون المكتوب والواقع المعاش.
«خويا».. أخوة الشارع في مواجهة أخوة الشعارات
يتحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومعه المسؤولون، عن «الجمهورية» وقوانينها ومبادئها. لكن ما يغيب عن هذا الخطاب أحيانًا هو أن هناك جمهورية أخرى غير معلنة تتشكل في الأزقة المنسية؛ لا تحمل علمًا، ولا تعلن استقلالًا، لكنها تعيش واقعًا منفصلًا عن المؤسسات التي يفترض أن تخدمها وتحميها.
في فرنسا، تحتل كلمة «الأخوة» (Fraternité) مكانة راسخة في الشعار الوطني للجمهورية، إلى جانب الحرية والمساواة. غير أنني، وأنا أراقب ما يجري في هذه الأحياء، وجدتني أفكر في كلمة أخرى، أكثر شعبية وارتباطًا بالحياة اليومية: «خويا»، أي «أخي» باللهجات المغاربية.
إنها كلمة تتجاوز معناها اللغوي لتصبح تعبيرًا عن التضامن والانتماء، وعن رابطة تنشأ بين أشخاص يشعرون بأنهم متروكون لمواجهة مصائرهم بأنفسهم.
قد يجد هؤلاء الشباب في الشارع ما لا يجدونه في المؤسسات، وقد يشعرون بالقرب ممن يشاركونهم الفقر والتهميش أكثر مما يشعرون به تجاه دولة لا يرون أثرها إلا في صورة الشرطة أو الإجراءات العقابية أو الخطابات السياسية البعيدة عن واقعهم.
وهنا تكمن المفارقة: بينما ترفع الجمهورية شعار الأخوة، يبحث بعض أبنائها عن أخوة بديلة في الشارع، لا لأنهم اختاروا الانفصال عن الدولة بالضرورة، بل لأنهم لم يجدوا أنفسهم جزءًا كاملًا منها.
إن «استقلال» هذه الأحياء ليس استقلالًا سياسيًا يحتفل به سكانها، ولا مشروعًا للتحرر من الوطن، بل هو استقلال قسري فرضه التهميش، وعززه الشعور بالإهمال، ورسخته سنوات من غياب الفرص وتراجع الثقة.
إنهم مستقلون عن الخدمات التي يحتاجون إليها، وعن فرص العمل التي يستحقونها، وعن الاهتمام الذي يفترض أن يصل إليهم بوصفهم مواطنين متساوين في الحقوق والكرامة.
إنهم لا يعيشون خارج فرنسا جغرافيًا، لكن بعضهم يشعر بأنه يعيش خارج وعود جمهوريتها.
حين يصبح النهب إنذارًا اجتماعيًا
أنا لا أبرر الاستيلاء على ممتلكات الآخرين، ولا أرى في تخريب المحال التجارية وسيلة مشروعة للمطالبة بالحقوق. فالضحايا قد يكونون بدورهم أصحاب أعمال صغيرة أو عمالًا لا يحتملون خسارة مصادر رزقهم، ولا يجوز تحميلهم وحدهم ثمن الغضب الاجتماعي.
لكنني، بوصفي صحفية عربية قادمة من بلد يعاني أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، وعشتُ عن قرب تجارب الفقر وضغوطه منذ الصغر، وصولًا إلى لحظة إبعادي، أدرك أن الظروف القاسية قادرة على تغيير علاقة الإنسان بالمجتمع وبالمؤسسات التي تحكمه.
الفقر ليس مجرد رقم في تقرير إحصائي، ولا مشهد عابر في شارع مزدحم. إنه شعور يومي بالعجز، وإحساس متراكم بأن الجهد لا يضمن النجاة، وأن العمل لا يكفل الكرامة، وأن المستقبل قد يبدو مغلقًا مهما حاول الإنسان أن يطرق أبوابه.
وحين تتراكم هذه المشاعر، يصبح الغضب أكثر من مجرد انفعال عابر؛ يتحول إلى نتيجة متوقعة لسنوات من الإحباط وفقدان الثقة.
ما شهدته مارسيليا، وما تشهده مدن أخرى تضم أحياء فقيرة ومهمشة، لا ينبغي اختزاله في وصف «الشغب»، كما لا ينبغي استخدام الظروف الاجتماعية لإعفاء مرتكبي الجرائم من مسؤوليتهم. المطلوب هو النظر إلى الأمر من جانبيه: حماية الناس وممتلكاتهم، ومواجهة الأسباب التي تجعل قطاعات من المجتمع تشعر بأنها متروكة لمصيرها.
فالدولة التي تكتفي بإدانة النتائج، من دون مواجهة جذور الأزمة، قد تنجح في احتواء اضطراب مؤقت، لكنها لا تضمن منع تكراره.
وحين يصبح الجوع أسبق من القانون في حياة الإنسان، وتصبح الكرامة رفاهية لا يملك ثمنها، فإن ما يحدث في الشوارع لا يعود مجرد أزمة أمنية، بل يتحول إلى إنذار اجتماعي يستحق أن يُسمع.
قد تكون مشاهد الاستيلاء على المتاجر صادمة، وقد تكون مدانة قانونيًا وأخلاقيًا، لكن الصدمة الحقيقية تكمن في أن تتسع الفجوة بين شعارات الجمهورية وحياة بعض أبنائها إلى الحد الذي يشعرون معه بأنهم غرباء داخل وطنهم.
فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل المسؤولين ليس فقط: من خرّب ونهب؟
بل أيضًا: كيف وصل هؤلاء إلى هذه النقطة؟ وكم من الوقت يمكن لدولة أن تتجاهل أبناءها قبل أن تتحول أزماتهم الصامتة إلى انفجارات في الشوارع؟
لأن ما يُنهب اليوم من المتاجر قد يكون، في جوهره، أقل خطورة مما يتآكل منذ سنوات في نفوس المهمشين: الثقة في الدولة، والإيمان بالعدالة، والشعور بالانتماء.
وهذه، في تقديري، هي الخسارة التي ينبغي أن تخشاها فرنسا أكثر من أي شيء آخر.
