من غرفة عمليات الدفاع الجوي إلى رمال سيناء.. حكاية عريف مصري عاش العبور والحصار ثم حمل رسالة التعليم

كتب اكرامى هاشم 

بعد 53 عامًا على حرب أكتوبر، لا تزال ذاكرة العبور حاضرة في وجوه من عاشوا أيامها، وفي التفاصيل الصغيرة التي لا تسجلها كتب التاريخ بقدر ما تحفظها ذاكرة الجنود وأسرهم.

من بين هؤلاء العريف عبد اللطيف عبد الفتاح عبد اللطيف، أحد جنود القوات المسلحة المصرية الذين التحقوا بالخدمة عام 1969، وعاشوا سنوات الاستعداد للحرب، ثم شاركوا في معارك أكتوبر 1973، قبل أن ينتقل بعد انتهاء خدمته العسكرية إلى ميدان آخر، هو التعليم.

لم يكن عبد اللطيف يعرف عندما التحق بالقوات المسلحة أن السنوات التالية ستضعه في قلب واحدة من أهم محطات التاريخ المصري الحديث.

كان ضمن الكتيبة 517 دفاع جوي المتمركزة في منطقة الشيخ سلامة، حيث عمل داخل غرفة العمليات، وكانت مهمته رصد الطائرات المعادية ومتابعة تحركاتها والإبلاغ عنها، في عمل يتطلب يقظة مستمرة ودقة في التعامل مع كل معلومة تصل إلى غرفة العمليات.

يوم العبور

في السادس من أكتوبر 1973 بدأت الحرب، ومعها تحولت سنوات الانتظار والاستعداد إلى واقع على الأرض.

وبعد بدء العبور، صدرت الأوامر إلى الكتيبة بالتحرك إلى منطقة الشلوفة واتخاذ مواقعها ومباشرة مهامها.

لكن أكثر ما بقي في ذاكرة عبد اللطيف لم يكن فقط أصوات الطائرات أو أوامر العمليات، وإنما اللحظة التي وطئت فيها أقدام الجنود أرض سيناء.

يتذكر أن أصوات الجنود ارتفعت في تلك اللحظة:

«الله أكبر.. الله أكبر».

كانت فرحة الوصول إلى أرض حُرم المصريون من الوصول إليها لسنوات أكبر من أن تخفيها الكلمات.

ويقول إن بعض الجنود أخذوا حفنات من رمال سيناء وشموها، بينما وضع آخرون الرمال على صدورهم، في مشهد اختلطت فيه مشاعر الانتصار بالحنين إلى الأرض.

بالنسبة إلى هؤلاء الجنود، لم تكن الرمال مجرد تراب، وإنما كانت بالنسبة لهم علامة على أن الأرض التي قاتلوا من أجلها أصبحت تحت أقدامهم مرة أخرى.

عروس تنتظر على الجانب الآخر

وخلف كل جندي كان هناك بيت ينتظر.

وقبل الحرب بنحو شهرين، وتحديدًا في 2 أغسطس 1973، عقد عبد اللطيف قرانه وأقيم زفافه على فايزة يوسف.

لم تكن العروس تعرف أن شهر العسل سيأتي بين موعد زفاف وموعد حرب، وأن الرجل الذي احتفلت بزواجه سيكون بعد أسابيع قليلة على الجبهة.

تتذكر فايزة تلك الفترة باعتزاز، وتقول إنها كانت تعرف أن زوجها يؤدي واجبه تجاه وطنه، ولذلك لم تنظر إلى ذهابه إلى الجبهة باعتباره مصدر خوف، بقدر ما رأته واجبًا يؤديه كما يؤدي آلاف الجنود المصريين واجبهم.

ومع اندلاع الحرب في السادس من أكتوبر، تحول الانتظار إلى دعاء.

كانت تتابع الأخبار وتنتظر عودته، بينما كان عبد اللطيف وزملاؤه يخوضون معاركهم بعيدًا عن أسرهم.

وكانت قصة فايزة واحدة من قصص آلاف الزوجات والأمهات اللاتي عشن أيام الحرب بين القلق والأمل، لا يملكن سوى الدعاء وانتظار خبر عن أب أو زوج أو ابن خرج إلى الجبهة.

عندما لم تنتهِ الحرب بالعبور

بالنسبة إلى عبد اللطيف، لم تكن لحظة العبور نهاية المعاناة.

فقد وجد نفسه ضمن قوات الجيش الثالث خلال فترة الحصار، وعاش مع زملائه أيامًا صعبة اتسمت بنقص المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية.

كانت ظروف الحياة قاسية، لكن الجنود حاولوا التمسك بمعنوياتهم، مستندين إلى ما حققوه في بداية الحرب وإلى إيمانهم بأنهم أدوا واجبهم تجاه وطنهم.

وبقيت تلك الأيام جزءًا أساسيًا من ذاكرته عن الحرب؛ فالنصر بالنسبة إليه لم يكن فقط عبور قناة السويس، وإنما كان أيضًا القدرة على الصمود في أصعب الظروف.

من بندقية الجندي إلى قلم المعلم

في عام 1974 انتهت رحلة عبد اللطيف العسكرية، لكنه لم يعتبر خروجه من القوات المسلحة نهاية لدوره في خدمة الوطن.

اتجه إلى التربية والتعليم، وبدأ مسيرة جديدة في بناء الإنسان، وتدرج في عمله حتى أصبح موجهًا أول بالتربية والتعليم قبل بلوغه سن المعاش.

ومع تقدم العمر، لم يبتعد تمامًا عن المجال الذي أفنى فيه سنوات من حياته، إذ لا يزال يشارك في إدارة إحدى المدارس الخاصة.

وهكذا انتقل الرجل الذي أمضى سنوات شبابه في الدفاع عن الأرض إلى العمل في تعليم الأجيال، وكأنه انتقل من معركة حماية الوطن إلى معركة بناء مستقبله.

ذاكرة لا يريد لها أن تموت

اليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على الحرب، لا يزال عبد اللطيف يحتفظ بتفاصيل تلك الأيام.

يحكي لأبنائه وأحفاده عن العبور، وعن الجنود الذين احتضنوا رمال سيناء، وعن الأيام الصعبة التي عاشها الجيش الثالث خلال الحصار.

ويرى أن رواية هذه التجربة ليست مجرد حنين إلى الماضي، وإنما مسؤولية تجاه الأجيال الجديدة.

فشهادة من عاشوا الحرب، كما يرى، تمنح الأجيال فرصة لمعرفة ما وراء الصور والاحتفالات الرسمية؛ كيف كان الجندي يعيش، وماذا كان يشعر، وكيف كانت الأسر المصرية تنتظر أبناءها وذويها في أيام الحرب.

وبعد 53 عامًا، تبدو قصة عبد اللطيف أقرب إلى رحلة كاملة تبدأ من غرفة عمليات الدفاع الجوي، وتمر برمال سيناء وأيام الحصار، ثم تعود إلى بيت انتظر صاحبه، قبل أن تنتهي في فصول المدارس وبين أجيال جديدة.

لقد حمل الرجل السلاح في شبابه دفاعًا عن الأرض، ثم حمل رسالة التعليم في بقية حياته دفاعًا عن المستقبل.

وربما لهذا تظل حكايات أبطال أكتوبر أكبر من مجرد ذكريات حرب؛ فهي قصص إنسانية عن جيل عاش الخوف والانتظار والتضحية، ثم عاد ليكمل حياته، حاملاً في ذاكرته لحظة لم تغادره منذ أن وطئت قدماه رمال سيناء.

عبد اللطيف واحد من آلاف الجنود الذين صنعت تفاصيل حياتهم الصغيرة، مجتمعة، واحدة من أكبر صفحات التاريخ المصري الحديث.