أذربيجان تحت حكم عائلة علييف.. ثروة بملايين اليوروهات، اتهامات بالفساد، وقمع للمعارضة وعلاقات وثيقة مع إسرائيل
فتحي الضبع
منذ وصول إلهام علييف إلى رئاسة أذربيجان عام 2003، خلفًا لوالده حيدر علييف، ظل حكم البلاد محل جدل دولي متصاعد، بين رواية رسمية تتحدث عن التنمية الاقتصادية والاستفادة من ثروات النفط والغاز، وانتقادات حقوقية وسياسية تتهم السلطة بتكريس الحكم العائلي، وتضييق المجال العام، وملاحقة المعارضين والصحفيين المستقلين.
ولا تقتصر التساؤلات على طبيعة النظام السياسي في الدولة الواقعة بمنطقة جنوب القوقاز، بل تمتد إلى الثروات العقارية المنسوبة إلى أفراد من عائلة الرئيس في أوروبا، ومدى شفافية مصادر الأموال المستخدمة في شراء العقارات الفاخرة، فضلًا عن العلاقات الاستراتيجية المتنامية بين باكو وتل أبيب، خصوصًا في مجالات الطاقة والتسليح والأمن.
وتكشف قراءة هذه الملفات مجتمعة عن صورة سياسية واقتصادية معقدة لدولة تمتلك موارد طاقة مهمة، لكنها تواجه انتقادات بشأن المساءلة والشفافية واستقلال المؤسسات، في وقت تعزز فيه قيادتها علاقاتها مع قوى دولية وإقليمية متعددة.
أولًا: عقارات فاخرة في أوروبا.. من أين جاءت ثروة عائلة علييف؟
وتنسب الرواية نفسها إلى تقارير فرنسية شراء هذه العقارات خلال الفترة بين عامي 1999 و2008، وتثير تساؤلات عن مصادر الأموال التي موّلتها.
لكن ينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها ادعاءات منسوبة إلى تقارير صحفية تحتاج إلى مراجعة مصادرها الأصلية ووثائق الملكية، ولا يصح اعتبارها حكمًا قضائيًا يثبت فساد سيفيل علييفا أو عدم مشروعية الأموال.
وتكتسب هذه المزاعم أهمية إضافية عند مقارنتها بالتحقيقات الموثقة حول ممتلكات أفراد آخرين من عائلة علييف في بريطانيا، وهي تحقيقات كشفت بالفعل عن هياكل ملكية خارجية معقدة أخفت المستفيدين الحقيقيين من عدد من العقارات.
ثانيًا: أوراق بنما وباندورا.. كيف تداخلت السلطة مع الثروة؟
جوهر القضية ليس مجرد امتلاك الأثرياء عقارات في الخارج، بل مدى وضوح مصادر ثرواتهم، وما إذا كانت هناك آليات مستقلة تضمن عدم استغلال النفوذ السياسي لتحقيق مكاسب خاصة.
فحين تتجمع السلطة السياسية والثروة الاقتصادية داخل دائرة ضيقة، تصبح الشفافية واستقلال القضاء والرقابة البرلمانية عناصر حاسمة في تقييم نزاهة الحكم.
ثالثًا: مهريبان علييفا.. انتقال السلطة إلى داخل الأسرة
وتنحدر مهريبان من عائلة باشاييف النافذة اقتصاديًا في أذربيجان، كما ترأس مؤسسة حيدر علييف، التي تحمل اسم والد الرئيس. وقد أثار الجمع بين موقعها السياسي وصلاتها العائلية والاقتصادية نقاشًا حول تضارب المصالح وتركيز النفوذ.
ولا يثبت التعيين في حد ذاته ارتكاب جريمة، لكنه يمثل جزءًا من الصورة الأوسع التي ينتقد فيها معارضو النظام تداخل السلطة السياسية والمصالح العائلية.
رابعًا: سجل حقوق الإنسان.. تضييق على الصحافة والمعارضة
ويرى منتقدو النظام أن استمرار الحكم لفترة طويلة، إلى جانب نفوذ العائلة في مؤسسات الدولة والاقتصاد، يضعف فرص التداول السلمي للسلطة. وقد وثقت تحقيقات دولية سابقة اتهامات بالتضييق على المعارضة وتقييد الحريات السياسية.
وفي المقابل، تدافع الحكومة عن سجلها، وتقول إن الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والأمن القومي تمثل أولويات للدولة.
وتبقى المسألة الأساسية هي مدى قدرة المؤسسات القضائية والرقابية والإعلامية المستقلة على محاسبة السلطة، وضمان حقوق المواطنين دون تمييز أو انتقام سياسي.
خامسًا: العلاقة مع إسرائيل.. النفط والسلاح والمصالح الاستراتيجية
سادسًا: لماذا تستمر الشراكة الغربية مع أذربيجان رغم الانتقادات؟
تملك أذربيجان موقعًا جغرافيًا حساسًا بين روسيا وإيران وتركيا، كما تتمتع بموارد نفطية وغازية مهمة، ما يمنحها وزنًا في حسابات أمن الطاقة الأوروبي والتوازنات الإقليمية.
وقد زادت أهمية صادرات الغاز الأذربيجاني بالنسبة إلى عدد من الدول الأوروبية في سياق سعيها إلى تنويع مصادر الإمدادات وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي بعد الحرب الروسية الأوكرانية.
وترى منظمات حقوقية أن المصالح الاقتصادية والاستراتيجية قد تدفع بعض الحكومات إلى التعامل بمرونة مع سجل أذربيجان الحقوقي، بدلًا من ربط التعاون الاقتصادي بإصلاحات سياسية واضحة. وقد تناولت تقارير صحفية حديثة هذه المفاضلة بين أمن الطاقة الأوروبي وضرورة الضغط لتحسين أوضاع حقوق الإنسان.
ومع ذلك، فإن التحقيق الصحفي المسؤول لا يساوي بين الاشتباه والإدانة، ولا يعتبر كل ثروة خاصة دليلًا على الفساد. فإثبات المخالفات المالية يتطلب تتبع مصادر الأموال، وفحص سجلات الملكية والتحويلات، والاستماع إلى ردود الأطراف المعنية، والتحقق من أي نتائج قضائية ذات صلة.
السؤال الأهم الذي يبقى مطروحًا: هل تستطيع أذربيجان بناء مؤسسات مستقلة تضمن الشفافية والمحاسبة وتداول السلطة، أم سيظل النفوذ السياسي والاقتصادي متركزًا في دائرة ضيقة، بينما تستمر المصالح الدولية في التعامل مع باكو باعتبارها شريكًا استراتيجيًا مهمًا؟
هذا السؤال هو المدخل الأساسي لفهم الجدل حول حكم إلهام علييف، والثروة المنسوبة إلى عائلته، ومستقبل الحريات العامة في أذربيجان.
















