فلسطين وإسرائيل: اصل الحكاية بقلم د. محمد ابراهيم المصري
1. في 14 فبراير 1896، نشر تيودور هرتزل (1860 – 1904) كتيبًا من 60 صفحة بعنوان Der Judenstaat في فيينا .. يُترجم العنوان الألماني على النحو التالي "الدولة اليهودية: اقتراح حل حديث للمسألة اليهودية".
2. اقترح هرتزل - وهو صحفي يهودي نمساوي - أن تكون فلسطين مكانًا مثاليًا حيث يمكن لليهود الأوروبيين المضطهدين إنشاء دولة مستقلة. وكتب " فلسطين وطننا التاريخي الذي لا يمكن ان ينسى" وستصبح فلسطين "الحل العظيم للمسألة اليهودية بعد 18 قرنا من المعاناة اليهودية".
3. لم يهتم هرتزل أن فلسطين لم تكن أرضاً فارغة أو قليلة السكان، ولا أن حضارتها القديمة تعود إلى حوالي 5000 عام .. وان قبائل بني إسرائيل في الكتاب المقدس سكنت فلسطين القديمة جنبًا إلى جنب مع سكانها الأصليين لجزء بسيط جدا من تلك آلاف السنين (انظر مثلا كتاب "علم آثار فلسطين" بقلم ويليام فوكسويل أولبرايت، Penguin 1949).
4. بعد نشر كتاب هرتزل، بدأ اليهود الأوروبيون بالهجرة إلى فلسطين بمساعدة مالية من اليهود الأوروبيين والأمريكيين الأثرياء الذين تبنوا قضية هرتزل السياسية الصهيونية بإنشاء مستعمرات صهيونية يهودية للمستوطنيين في فلسطين.
5. لكن لم تتم استشارة الفلسطينيين الأصليين قط .. ولم تكن فلسطين موطنًا لدولة اسمها إسرائيل – أبدًا .. ومع ذلك، كانت موجات من المهاجرين اليهود تجتاح فلسطين مدعين أنها "وطنهم" الشرعي.
6. تسارعت الهجرة اليهودية، بل وشجعتها بريطانيا التي احتلت فلسطين عام 1920 .. وقبلها في 1917 وعدت بريطانيا على لسان بلفور اغنياء اليهود انها ستمكنهم من انشاء وطن قومي لهم في فلسطين حتى يقرضوا الحكومة البريطانية المال الضروري لاخراجها من ديون الحرب العالمية الأولي.
7. اندلعت التوترات بين الفلسطينيين أصحاب البلد والمهاجرين اليهود الأوروبيين الجدد - ولم تكن أي من المجموعتين مستعدة لوجود المجموعة الأخرى.
8. كتب السير رونالد ستورز، الحاكم البريطاني لفلسطين المحتلة من 1926 الى 1932 كتاب "الصهيونية وفلسطين" (بينجوين 1940)، وهو شاهد عيان عن اضطهاد الفلسطينيين الأصليين على يد المهاجرين اليهود الأوروبيين.
9. ساهمت المحرقة التي قادها النازيون في الحرب العالمية الثانية ضد اليهود بالمزيد من المهاجرين اليهود الأوروبيين إلى فلسطين.
10. في عام 1948 أعلن المهاجرون اليهود - وقد تسلحوا جيدا بواسطة انجلترا - عن دولة لليهود مستقلة تسمى إسرائيل .. ولم يسأل أحد الفلسطينيين ما إذا كان من الممكن إقامة دولة جديدة على أرض أجدادهم.
11. في عام 1956، بعد أقل من عقد من قيامها من جانب واحد، غزت إسرائيل مصر بمساعدة بريطانيا وفرنسا.
12. ومرة اخرى بعد 11 عاماً فقط، وفي عام 1967، غزت إسرائيل مصر والأردن وسوريا، مما أدى إلى احتلال القدس وقطاع غزة والضفة الغربية - يعني كل ما تبقى من فلسطين.
13. في عام 1993، وقع الإسرائيليون والفلسطينيون على اتفاق أوسلو، الذي اعترف فيه كل منهم بحق الآخر في الأمن والوجود؛ ولقد كانت بداية واعدة لتحسين العلاقات لكنها فشلت على الفور.
14. في تشرين الثاني (نوفمبر) 1995، اغتال يهودي إسرائيلي رئيس الوزراء إسحاق رابين في تل أبيب للاحتجاج ومنع نية حكومة رابين الاعتراف بحقوق الفلسطينيين.
15. على مدى الأعوام السبعة والخمسين الماضية (منذ عام 1967) ظل الفلسطينيون في كل من قطاع غزة والضفة الغربية تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي القاسي الذي يقيد تحركاتهم، ويفرق بين عائلاتهم، ويمنع التقدم الاقتصادي ويسجن العديد من الفلسطينيين بتهم غير محددة، ويقوض الثقافة الفلسطينية.
16. يعيش الآن أكثر من 700 ألف ممن يطلق عليهم اسم "المستوطنين" اليهود المسلحين في الضفة الغربية خلف جدران أمنية ضخمة مما يزيد من تفتيت ما تبقى من ألاراضي الفلسطينية.
17. منذ عام 1967 أيضًا ظل 2.3 مليون فلسطيني محصورين في قطاع غزة الصغير (141 ميلًا مربعًا) تحت الحصار الإسرائيلي الكامل برا وبحرًا وجوًا .. ويطلق على غزة في كثير من الأحيان "أكبر معسكر اعتقال في العالم" وهي واحدة من أكثر المناطق كثافة سكانية على سطح الأرض .. وقد تدهورت الأوضاع هناك بشكل كبير منذ 7 أكتوبر 2023 واصبحت غزة ضحية إبادة جماعية مجرمة.
18. واليوم في عام 2024 تواصل إسرائيل رفضها التام لحق تقرير المصير للفلسطينيين وتعارض بشدة إنشاء دولة فلسطينية - بعد 128 عامًا من كتابة تيودور هرتزل كتيبًا صغيرًا ولكن مدمرًا وعنصريا يدعو إلى إنشاء دولة يهودية في منطقة "فارغة" تسمى فلسطين.
19. بعد حرب عام 1967 التي ابتلعت فيها إسرائيل بقية فلسطين، كتب برتراند راسل، الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1950:
"إن تطور الأزمة في الشرق الأوسط أمر خطير .. فعلى مدى أكثر من 20 عاماً، توسعت إسرائيل بقوة السلاح. وبعد كل مرحلة في هذا التوسع، كانت إسرائيل تقترح "المفاوضات" .. وهذا هو الدور التقليدي للقوة الإمبراطورية الاستعمارية لأنها ترغب في تعزيز ما استولت عليه بالعنف .. وكل غزو جديد يصبح الأساس الجديد للتفاوض المقترح .. والذي يتجاهل ظلم العدوان السابق .. ف يجب إدانة إسرائيل، ليس فقط لأنه لا يحق لأي دولة ضم أراض أجنبية، ولكن لأن كل توسع هو أيضًا تجربة لاكتشاف مدى العدوان الذي سيتحمله العالم".
20. مع مرور كل عام من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، تكتسب كلمات راسل المزيد من الإلحاح والحقيقة .. ف إسرائيل وداعميها الغربيين وأولهم الولايات المتحدة لا يستمرون في تجاهل "الظلم الذي خلفه العدوان السابق" فحسب، بل إنهم يعملون بنشاط على الترويج لاستمراره إلى أجل غير مسمى.
استاذ هندسة المكروتشبس بجامعة واترلو بكندا وعاشق المحروسة.

