كيف أصبح المدنيون أدوات الحروب الإسرائيلية الجديدة؟بقلم أ.د ماريز يونس
كشفت الحروب الإسرائيلية الجديدة التي يشنها الكيان الإسرائيلي على قطاع غزة وصولًا إلى لبنان، حربًا معلنة ضد الإنسانية أصبح المدنيون فيها هدفا عسكريًا يندرج ضمن مسار تحقيق أهداف سياسية واستعمارية. وقد استخدمت التكنولوجيا وطمس الديمغرافيا والإعلام والاقتصاد كأدوات حرب في سياق اتسم بصمٍت غير مسبوق للمجتمع الدولي والمنظمات الحكومية وغير الحكومية، إلاّ ما ندر، ناهيك عن ضعف سلطة الأمم المتحدة ومجلس أمنها في فرض القرارات والقوانين الدولية والإنسانية، مما عمّق شعور اللامحاسبة لدى الشعوب المستهدفة. فضلًا عن أفول سلطة الإعلام التي أصبحت أبواق دعاية تبرّر الانتهاكات وتوجّه قصدًا الرأي العام العالمي.
سمح هذا المناخ الجديد لإسرائيل باستخدام المدنيين كأداة لتحقيق أهداف استعمارية بعدة المدى. لم تعد الإبادة الجماعية نتيجة من نتائج الحروب، بل أداة لإعادة إنتاج الاستعمار بطرق مختلفة وأكثر تعقيدًا. فلم تقتصر على القتل الجماعي لتحقيق السيطرة العسكرية فحسب، إنما شملت مشاريعًا ديمغرافية لإعادة تشكيل المجتمع وتفكيكه. وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي "بيير بورديو" Pierre Bourdieuعن مفهوم "الاقتلاع/ الاجتثاث" في إطار تحليله للحالة الجزائرية وكيف قام الاستعمار الفرنسي بالاقتلاع القسري لسكان الجزائر من أراضيهم لتغيير نمط التركيبة السكانية، وهي استراتيجية تستهدف تدمير الهويات الجماعية للسكان وإعادة تشكيلها لخدمة مصالح المستعمر.
لقد أصبحت التكنولوجيا المتطوّرة أيضا أداة رئيسية في الحرب الإسرائيلية الجديدة. يشرح "بيتر سنجر" Peter Singer كيف تستخدم أنظمة المراقبة والطائرات الحديثة بدون طيار والهجمات السيبرانية كأدوات رئيسية لتحقيق السيطرة على المدنيين وتوسيع الهيمنة العسكرية وتحقيق مكاسب سياسية استراتيجية من خلال قصف المناطق المكتظة بالسكان، ما يخلق جوًا من الإرهاب المستمر وتأليب شرائح اجتماعية واسعة وكسرها نفسيًا، وهذا جزء من استراتيجية تغيير الديموغرافيا وتقويض القدرة على المقاومة.
إضافة إلى ذلك، أصبحت الهجمات السيبرانية جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الحروب الجديدة، ناهيك عن تدمير البنية التحتية الحيوية التي يعتمد عليها المدنيون للبقاء مثل الهجمات على أنظمة الكهرباء، وشبكة توزيع المياه، وشبكة الاتصالات، ممّا يزيد من معاناتهم ويؤدي إلى تدهور أوضاعهم الاقتصادية والصحية. يُعدّ هذا الشكل من الهجمات اعتداء على الإنسانية وشكلا من أشكال الإبادة الجماعية في ظلّ غياب المحاسبة وتشريع قتل المدنيين.
لم تكن هذه الحرب الإسرائيلية الجديدة على الإنسانية لتتحقق لولا تواطؤ المجتمع الدولي الذي أصبح بمثابة الشريك فيها. فالمساندة المباشرة وغير مباشرة للقوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي تكرّس الانتهاكات الإسرائيلية وتشجّعها بحجة الأمن القومي أو مكافحة الإرهاب، مما يجعل إسرائيل في وضع يسمح لها بمواصلة حرب الإبادة الجماعية باستخدام التكنولوجيا والأساليب العسكرية الحديثة، دون أي رادع أو خوف من العقوبات الدولية.
بالمقابل، أظهرت الأمم المتحدة، التي من المفترض أن تكون الضامن لاحترام حقوق الإنسان، عجزًا وشللًا فاضحًا في اتخاذ إجراءات فعالة أو حتى الدعوة إليها. حيث تُمنع التحقيقات الدولية وتُعطل القرارات في مجلس الأمن بسبب استخدام حق النقض (الفيتو) من قبل الدول الحليفة لإسرائيل. هكذا أصبحت قدرات معظم المنظمات الإنسانية مشلولة لا تستطيع أداء دورها الفعّال في حماية المدنيين وضمان العدالة الانسانية، إن لم نقل جزءًا من منظومة التواطؤ العالمي. وقد ناقش "ريتشارد فولك" Richard Folk كيف أدى غياب المحاسبة الدولية إلى تكريس الانتهاكات الإسرائيلية ضد المدنيين وعزّز مناخ الإفلات من العقاب وشرّع استخدام أدوات الحرب الحديثة ضد السكان العزّل.
من الناحية الإعلامية يتم استعمال مصطلحات جديدة لتبرير العمليات العسكرية الإسرائيلية، مثل الدفاع عن النفس، مكافحة الإرهاب، الدروع البشرية، معاداة السامية، وهي مبرّرات تهدف كلها إلى توجيه الرأي العام العالمي وإخفاء مقصود للحقائق المتعلّقة بالمشروع الاستعماري وهيمنة قوى الشمال على مقدرات وثروات شعوب الجنوب. فتصاغ السرديات الإعلامية بشكل يركز على حقوق إسرائيل في الدفاع عن النفس وإهمال الإبادة الانسانية، مما يسهم في تقليل الضغوط الدولية على إسرائيل وزيادة قبول المجتمع الدولي لانتهاكاتها التي ترى على أنّها حقّ مشروع وليست اعتداء على حقوق شعوب ودول أخرى. هذا ما أكده تشومسكي في دراسته لكيفية استخدام وسائل الإعلام من أجل تهيئة الرأي العام لقبول مشروع استعماري مثلما حصل مع العراق سنة ١٩٩١. في سياقنا الحالي أصبحت الحرب على المدنيين مقبولة عالميًا لأنها صُوّرت كعمليات تقوم بها اسرائيل للدفاع عن نفسها مما يفسرّ الغياب التام لأيّة إدانات فعلية من المجتمع الدولي أو اتخاذ خطوات جادّة لمحاسبتها.
من ناحية أخرى، نلاحظ استخدام الوسائل الاقتصادية كأداة للحرب الحديثة مثل الحصار الاقتصادي المفروض على دول الجنوب وخصوصا الدول التي المعارضة للكيان الاسرائيلي. فأصبح ذلك جزءًا من الحرب الشاملة التي تستهدف المدنيين بشكل مباشر. ويوضّح نعوم تشومسكي Noam Chomsky كيف تستخدم القوى العالمية الاقتصاد كأداة للسيطرة على الشعوب من خلال الحصار الاقتصادي، مما يجبرهم على قبول شروط سياسية مجحفة ويزيد من عزلتهم وضعفهم، ويُعدّ ذلك أحد أوجه الحرب الاقتصادية التي تُعيد إنتاج الاستعمار الحديث للسيطرة على الشعوب دون الحاجة إلى احتلال عسكري مباشر. وقد أشار فرانز فانون Frantz Fanon من قبل كيف تستغل القوى الاستعمارية الحديثة الأزمات الاقتصادية لتحقيق أهدافها، وهي الاستراتيجية المعتمدة والأكثر وضوحا الآن في الحرب على غزة ولبنان.
أستاذة علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية
رئيسة الشبكة الدولية لدراسة المجتمعات العربية

