دفء الضواحي الباردة. بقلم محمود الدبعي


لم يختَر سكان الضواحي في السويد التي تسوق نفسها دولة الرفاهية و السعادة ،  أن يعيشوا في مجتمعات متوازية أو أن يفرضوا قوانينهم الخاصة كما يسوق اليمين القومي المتشدد . لم يكن ذلك حلماً، ولا حتى خطة. بل كانوا، في الحقيقة، يُدفَعون دفعًا إلى الهامش. إلى تلك المساحات التي لا تجد فيها مقهىً يبيع حليب الشوفان، ولا شرطيًا يخلع بزته ليتناول قهوته بين الناس.

هرب الكثير من السويديين من هذه الأحياء. تركوها وراءهم كما يُترك صندوق مغلق في علية منزل قديم، دون حتى محاولة اكتشاف ما بداخله. أما القادمون الجدد، فكانوا يبحثون عن الدفء… لا دفء الطقس، بل دفء القبول، الأمان، التعايش، والانتماء.

عندما جاء آدم مع أسرته إلى السويد، لم يكن يملك خيارًا. ضاق بهم الحال، فاستقروا في واحدة من ضواحي العاصمة، حيث ترتفع المباني مثل صمت طويل، وتتشابه الشقق كما تتشابه القصص: حنينٌ إلى وطن، وحلمٌ بوطن بديل.

لم يكن آدم وأمثاله يبحثون عن العزلة. بل العكس، كانوا كل يوم يطرقون أبواب المجتمع السويدي، يسألون: هل من مكان لنا؟ هل من فرصة؟ لكن الأبواب كانت غالبًا موصدة، والنوافذ مغلقة بستائر سميكة من الأحكام المسبقة والخوف من هذا القادم الجديد .

قالوا عنهم إنهم لا يريدون الاندماج. ولكن من ينظر إلى قوائم الانتظار على موقع بلدية ستكهولم  سيرى الحقيقة: المئات – لا، الآلاف – يحلمون بمغادرة الضواحي. ليس لأنهم يكرهونها، بل لأنهم يريدون حياة أفضل، مدارس أفضل، مستقبلًا أكثر أمانًا لأطفالهم.

الحقيقة؟ إن أكثر من 99٪ من سكان الضواحي ليسوا متطرفين ولا منعزلين و هم بعيدين عن عصابات الجريمة التي تستقر هناك . بل هم بشر، يريدون وظيفة، يريدون سلامًا، يريدون أن يُعامَلوا كجزء من هذا المجتمع. ولكن كلما حاولوا الاقتراب، تراجع الآخرون خطوة إلى الوراء.

الشرطي الذي يعمل في مبنى شرطة رينكبي لا يتناول قهوته في ساحة الحي. والصحفي الذي يكتب عن مشاكل التطرف لا يزور المسجد المحلي ليسأل عن مبادرات الشباب لمحاربة الجريمة و انقاذ اليافعين من براثن العصابات . والسياسي الذي يتغنى بالضواحي من منصة البرلمان، لا يجرؤ على السكن في واحدة منها.

يقول البعض إن سكان الضواحي يحبون البقاء في أماكنهم. لكن الحقيقة؟ لو علّقت لافتة تقول: شقة في منطقة أكثر أمانًا، بنفس الإيجار ، لاصطفت طوابير تمتد من ساحة الحي إلى نهاية الخط الأزرق للمترو.

لكن هذا لا يُروى كثيرًا. لأن رواية أخرى تُباع بشكل أفضل: رواية المجتمعات المغلقة و الخطر القادم من الخارج ، و الانفصال الثقافي . تلك القصص التي تباع في البرامج الحوارية، وتُرصَع بها أعمدة الرأي.

آدم يعرف ذلك جيدًا. لذلك يقول، وهو ينظر من نافذته إلى الأبنية المتراصة: قد لا نبدو الآن في أفضل حالاتنا. نعم، نحن متعبون، وأحيانًا غاضبون. لكننا نحاول. نحاول أن نحافظ على كرامتنا، وعلى علاقتنا بالله، وعلى حلم بسيط: أن نُعامَل كبشر. سنظل نحاول، حتى وإن شكك الجميع فينا… فقط شاهدونا.


محمود الدبعي 

المنظمة الدولية للسلام والديمقراطية والمواطنة