سويسرا تعترف بتنظيمها حملات اختطاف اطفال من سكان اليينيش طول نصف قرن
اعترفت سويسرا بأن تنظيمها حملات اختطاف أطفال، وتفكيك أسر مجتمع اليينيش طوال نصف قرن، جرائم ضدّ الإنسانية. خطوة طال انتظارها، بينما لا تزال دول، مثل النرويج وإسكتلندا، مترددة في اتخاذ موقف مشابه.
سابقة أوروبية تفتح الباب أمام محاسبة الماضي وتعويض الضحايا
فتحي الضبع
في خطوة تاريخية غير مسبوقة على مستوى القارة الأوروبية، اعترفت الحكومة السويسرية رسميًا بأن حملاتها السابقة لاختطاف أطفال من عائلات شعب اليينيش وتفكيك بنيتهم الأسرية، بين عامي 1926 و1973، تمثل جرائم ضد الإنسانية.
هذا الاعتراف جاء بعد رأي قانوني أعدّه البروفيسور أوليفر ديغلمان، أستاذ القانون الدولي والجنائي، بطلب من وزارة الداخلية الفيدرالية. وأكد التقرير أن عمليات الإيداع القسري للأطفال لم تكن لتتم دون دعم مباشر من مؤسسات الدولة. ورغم تأكيده على توصيف "جريمة ضد الإنسانية"، استبعد التقرير تهمة "الإبادة الجماعية" لغياب الدليل على نية الإبادة الجسدية.
الاعتراف السويسري… مقابل تردد أوروبي
بهذا الموقف، تتصدر سويسرا دول أوروبا في التعامل مع ملف الانتهاكات المرتكبة ضد شعوب الرحّل، بينما تكتفي بلدان أخرى مثل النرويج واسكتلندا باعتذارات رسمية أو مبادرات محدودة. وتشير الناشطة نيدا كورونوفسكا، من مؤسسة "الروم من أجل أوروبا"، إلى أن أغلب الدول "لا تتجاوز حدود الاعتذار الشكلي، ونادرًا ما تلجأ للتعويض المادي حتى في الحالات الموثقة".
تعويضات محدودة وردود فعل متباينة
في ثمانينيات القرن الماضي، كانت سويسرا قد رصدت أكثر من 11 مليون فرنك سويسري لتعويض الضحايا، بواقع 20 ألف فرنك لكل فرد متضرر. أما النرويج، فلم تبدأ التعويضات الفردية إلا عام 2024، بمبالغ اعتُبرت "متواضعة للغاية"، مع تخصيص صندوق لمشاريع جماعية مثل معرض "لاتجو دروم" لتوثيق تاريخ الروماني.
مع ذلك، لا يزال الجدل قائمًا في الداخل السويسري، حيث انتقدت جمعيات الضحايا غياب اعتذار صريح ومباشر من الحكومة، رغم اعترافها القانوني بالجرائم.
الذاكرة الثقيلة في النرويج واسكتلندا
بينما أطلقت النرويج اعتذارها الرسمي عام 1998، لم تبدأ إسكتلندا إلا مؤخرًا خطوات متواضعة في هذا الملف. فقد كلّفت الحكومة عام 2023 جامعة سانت أندريز بإجراء بحث تاريخي حول ما عُرف بـ "تجارب تينكر"، لكنه تعرّض لانتقادات بسبب ضعف التمويل وتأخر نشر نتائجه. الناشطة لين تامي كونيلي، من طائفة "الترافلز"، شددت على أن "الجرائم ليست جزءًا من الماضي فقط، بل ما تزال آثارها مستمرة في الحاضر".
صدمة عبر الأجيال
يرى الخبراء أن اختطاف الأطفال، والتعقيم القسري، وسياسات الإدماج الإجباري خلّفت آثارًا نفسية واجتماعية ما زالت تتناقلها الأجيال المتعاقبة من الأقليات الرحّل. وتؤكد كورونوفسكا أن "الاضطهاد الممنهج ضد الغجر والرحّل متجذر في التاريخ الأوروبي، ولا سبيل لتغييره إلا عبر اعتراف صريح، وتعويض منصف، وحملات توعية شاملة لمجتمعات الأغلبية".
وبهذا الاعتراف، وضعت سويسرا سابقة قد تدفع دولًا أوروبية أخرى إلى إعادة النظر في ماضيها المظلم، لتبقى مسألة الإنصاف والعدالة رهينة الإرادة السياسية وجرأة مواجهة الذاكرة.




