العلاقات المصرية السودانية... وحدة التاريخ ومؤامرات الحاضر
العلاقات المصرية السودانية، عمقها التاريخي، وأسباب اضطرابها أحيانًا، والقوى التي تحاول ضربها أو جرّ مصر إلى مستنقع الصراع السوداني
العلاقات المصرية السودانية... وحدة التاريخ ومؤامرات الحاضر
تُعدّ العلاقات بين مصر والسودان من أكثر العلاقات تميزًا في القارة الأفريقية والعالم العربي، ليس لأنها علاقة جوار جغرافي فقط، بل لأنها علاقة دم وماء ونهر ومصير
منذ فجر التاريخ، كان وادي النيل ساحة واحدة للحياة، يتقاسمها الشعبان في تداخلٍ حضاري وإنساني جعل من الفصل بينهما أمرًا مستحيلًا من الناحية الطبيعية والتاريخية
ومع ذلك، فإن هذه العلاقة التي تبدو راسخة، لم تخلُ من الأزمات، إذ تمر بين الحين والآخر بمراحل شد وجذب**، تتأثر فيها بالتغيرات السياسية داخل البلدين، وبالضغوط الإقليمية والدولية
واليوم، ومع ما يشهده السودان من صراع دموي وانقسام حاد، تقف مصر أمام تحدٍّ كبير كيف تحافظ على استقرار حدودها الجنوبية، وتدعم الشعب السوداني، دون أن تُجرّ إلى مستنقع الحرب؟
وللإجابة عن هذا السؤال، لا بد من فهم خريطة القوى التي تعمل على إفساد هذه العلاقة التاريخية، ولماذا ترى بعض الأطراف أن ضرب الرابط المصري السوداني يخدم مصالحها الاستراتيجية
أولًا: تاريخ من الوحدة والتكامل
منذ آلاف السنين، كان النيل هو الرابط الأعظم بين شعبي مصر والسودان
فمنه قامت حضارات وادي النيل، وتشابكت الأعراق والثقافات والمصالح، حتى أصبحت الحدود السياسية مجرد خطوط رسمها الاستعمار البريطاني لتقسيم النفوذ
بعد استقلال السودان عام 1956، حافظت القاهرة والخرطوم على علاقات متينة، رغم فترات من التوتر
فقد كانت مصر ترى في السودان عمقها الاستراتيجي الجنوبي، بينما نظر السودان إلى مصر بوصفها الشقيق الأكبر والسند التاريخي
التعاون كان قائمًا في ملفات المياه، والاقتصاد، والأمن، والتعليم، بل وحتى في أوقات الحروب، ظلت الجسور مفتوحة
لكن هذا الارتباط الوثيق، بطبيعته، لم يرق لبعض القوى الإقليمية التي رأت في وحدة الموقف المصري السوداني خطرًا على مشاريعها في المنطقة
ثانيًا: القوى التي تعمل على تفكيك العلاقة المصرية السودانية
إثيوبيا: صراع المياه والمصالح
منذ بدء مشروع سد النهضة، برزت إثيوبيا كطرف يسعى إلى خلق فجوة بين القاهرة والخرطوم
فقد حاولت الحكومة الإثيوبية، في مراحل التفاوض، اللعب على التناقضات بين البلدين، تارةً بإغراء السودان بمكاسب كهربائية واقتصادية، وتارةً بإشاعة أن الموقف المصري يهدد التنمية السودانية
الهدف الحقيقي هو تفكيك الجبهة الموحدة في ملف مياه النيل، وإضعاف موقف مصر في أي مفاوضات مستقبلية
كما أن أديس أبابا تدرك أن السودان المستقر المتحالف مع مصر يعني حزامًا قويًا يحد من نفوذها الإقليمي في القرن الأفريقي
إسرائيل: النفوذ غير المباشر في وادي النيل
رغم التطبيع العلني بين إسرائيل وعدد من دول المنطقة، إلا أن الطموح الإسرائيلي في إفريقيا لم يتوقف عند البعد الاقتصادي أو الأمني، بل يمتد إلى التحكم في منابع النيل وتأمين النفوذ في الجنوب
فإسرائيل تعمل منذ عقود على بناء علاقات قوية مع إثيوبيا وجنوب السودان ، وتستخدم هذه العلاقات كورقة ضغط استراتيجية ضد مصر
وجود السودان ضعيفًا وممزقًا يخدم مصالحها، لأنه يقلل من قدرة القاهرة على حماية عمقها المائي والجنوبي
كما أن انشغال مصر بحدودها الجنوبية يمنح إسرائيل فرصة أوسع للمناورة الإقليمية في قضايا أخرى
الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية
منذ نهاية الحرب الباردة، تتعامل واشنطن والعواصم الأوروبية الكبرى مع وادي النيل كمنطقة نفوذ حساسة
هم يدركون أن أي تحالف مصري سوداني قوي يمكن أن يتحول إلى محور عربي أفريقي مستقل عن الهيمنة الغربية
ولهذا، تُفضّل هذه القوى سودانًا ضعيفًا منقسمًا، يسهل التأثير على قراراته السياسية، ويُستخدم كورقة ضغط على القاهرة
تُمارس بعض الدول الغربية سياسة “الاحتواء الناعم” مع مصر: لا تمنعها من دعم السودان إنسانيًا، لكنها لا تسمح لها بالتدخل عسكريًا أو سياسيًا بما يغيّر موازين القوى
والنتيجة أن مصر تُترك في مواجهة أزمة معقّدة، بينما تستفيد القوى الكبرى من استمرارها
قوى داخلية سودانية ذات ارتباط خارجي
لا يمكن تجاهل دور بعض الفصائل السودانية المسلحة أو القوى السياسية التي تتلقى دعمًا من أطراف خارجية
هذه القوى تُروّج داخل السودان أن لمصر “أطماعًا” في الأرض أو النفوذ، في محاولة لتشويه صورتها لدى الشارع السوداني
في الحقيقة، كانت القاهرة من أوائل الداعمين لوحدة السودان واستقلاله، ورفضت دائمًا أي تقسيم أو تدخل خارجي في شؤونه
لكن بعض القوى ترى في استقرار السودان خطرًا على مصالحها الضيقة، ولذلك تعمل على توتير العلاقة مع مصر** كلما اقتربت محاولات الحل السلمي
ثالثًا: لماذا يريدون جرّ مصر إلى مستنقع السودان؟
تتقاطع أهداف هذه القوى عند نقطة واحدة: إضعاف مصر عبر استنزافها في الجنوب
فدفع القاهرة إلى الانخراط عسكريًا في الأزمة السودانية يعني
تشتيت تركيز الجيش المصري بين جبهات متعددة (سيناء، ليبيا، الجنوب)
استنزاف الموارد في حرب طويلة بلا حسم واضح
تعطيل التنمية الداخلية المصرية في وقت تحتاج فيه القاهرة إلى استقرار اقتصادي
خلق عداء شعبي سوداني تجاه مصر عبر ترويج فكرة "التدخل الخارجي"
فتح الباب أمام نفوذ أجنبي جديد في المنطقة باسم الوساطة أو حفظ السلام
إنها خطة طويلة المدى تهدف إلى **تحييد الدور المصري في أفريقيا، وإبقاء القاهرة مشغولة بملفات حدودية بدلاً من لعب دورها القيادي في العالم العربي والإفريقي
رابعًا: الموقف المصري... عقلانية في زمن الفوضى
تتبنّى القاهرة سياسة متوازنة وحذرة تجاه الأزمة السودانية
فهي تدعم وحدة السودان وسلامة أراضيه، لكنها ترفض الانجرار إلى الصراع الداخلي أو الانحياز لطرف ضد آخر
قدّمت مصر مساعدات إنسانية ضخمة للنازحين السودانيين، وفتحت حدودها أمام عشرات الآلاف من المدنيين، وفي الوقت نفسه تحافظ على أمنها القومي عبر مراقبة دقيقة لحدودها الجنوبية
الدبلوماسية المصرية تعمل على خطين متوازيين
إغاثة إنسانية عاجلة
تحرك سياسي يهدف إلى المصالحة الوطنية بين الأطراف السودانية
ورغم الضغوط الدولية، ترفض القاهرة الانجرار إلى حرب بالوكالة، لأنها تدرك أن أي اشتباك مباشر سيكون كارثة على الجميع
خامسًا: مستقبل العلاقة... ما بين المصير المشترك والاختبار الصعب
لا يمكن الحديث عن استقرار مصر دون استقرار السودان، والعكس صحيح
فالعلاقة بين البلدين ليست علاقة “جارين”، بل علاقة نهر واحد ومصير واحد
تاريخيًا، كلما توحد الموقف المصري السوداني، استقرت المنطقة، وكلما تفكك، دخلت المنطقة في فوضى
التحدي القادم هو
هل تستطيع القاهرة والخرطوم، رغم كل الضغوط، إعادة بناء محور وادي النيل كقوة سياسية واقتصادية فاعلة؟
الجواب يعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز المؤامرات، وعلى وعي الشعبين بحقيقة ما يُحاك لهما في الخفاء
العلاقات المصرية السودانية ليست وليدة اللحظة، ولا هي رهينة الأزمات الراهنة
إنها علاقة جغرافيا وقدر وتاري، تحاول بعض القوى طمسها أو تحويلها إلى ساحة صراع.
لكن القاهرة، بخبرتها التاريخية وحكمتها السياسية، اختارت طريق التوازن والهدوء، إدراكًا منها أن إنقاذ السودان هو في جوهره حماية للأمن القومي المصري، وأن وادي النيل لن يظل نابضًا بالحياة إلا إذا بقيت مصر والسودان كتفًا بكتف في وجه العواصف
