الجدل حول الحجاب والنقاب في المجتمعات الغربية


ستوكهولم . محمود الدبعي

رئيس المركز السويدى لتنمية اللاجئين 

رغم قلّة عدد النساء اللواتي يرتدين الحجاب أو النقاب في الغرب، إلا أن هذا اللباس اكتسب حضورًا رمزيًا طاغيًا في النقاشات السياسية والإعلامية. فالقضية تجاوزت حدود “اللباس الشخصي” لتصبح ساحةً يُعاد فيها تشكيل مفاهيم الهوية والحرية والقيم. يهدف هذا التحليل إلى فهم الأسباب الكامنة وراء معارضة بعض السياسيين والمفكرين الغربيين للحجاب والنقاب، وإلى مناقشة ما إذا كان هذا الرفض يعكس تعارضًا حقيقيًا بين الحجاب والقيم الغربية، أم أنه يعبر عن توترات أعمق تتعلق بالهوية والسلطة الثقافية.

أولًا: الحجاب كرمز سياسي وثقافي

تحوّل الحجاب في السياق الغربي إلى رمز بصري مكثّف يُستحضر كلما طُرحت قضايا الإسلام، أو الهجرة، أو الاندماج. فهو في المخيال العام لم يعد مجرد ممارسة دينية، بل علامة على الاختلاف الثقافي. لذلك يُستخدم من قبل بعض الفاعلين السياسيين وسيلةً رمزية لتأجيج النقاش حول “من نحن” و”من الآخر”.

بهذا المعنى، يصبح الحجاب أداة في الخطاب السياسي أكثر من كونه موضوعًا دينيًا بحتًا، حيث يُستغل لإثارة المشاعر وتوحيد الناخبين حول فكرة الهوية الوطنية أو “الدفاع عن القيم الغربية”.

ثانيًا: الحرية وتعدد تعريفاتها

يُقدَّم الحجاب في بعض الخطابات الغربية بوصفه رمزًا لاضطهاد المرأة أو لغياب المساواة. لكن هذه الرؤية تنطلق من تصور واحد للحرية، هو التصور الليبرالي – العلماني الذي يفصل الدين عن الحياة العامة.

في المقابل، ترى كثير من النساء المسلمات أن ارتداء الحجاب خيار حرّ وواعٍ نابع من قناعة دينية وكرامة ذاتية. وهنا يظهر التناقض الجوهري بين حرية تُعرّف بوصفها تحررًا من الدين وحرية تُفهم على أنها حقّ في التعبير عن الهوية الدينية.

إذن، الخلاف لا يدور حول مبدأ الحرية نفسه، بل حول من يملك سلطة تعريفها.

ثالثًا: الخوف من "الآخر"

منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ارتبط الإسلام في الإعلام الغربي غالبًا بخطاب الخطر والتطرف. وبهذا السياق، أصبح الحجاب علامةً مرئية تُستحضر فيها كل المخاوف الجماعية من “الآخر المسلم”.

هذا النمط من التفكير يقوم على ما يسميه علم الاجتماع بـ "صناعة الآخر"، أي تصوير فئة معينة كتهديد للهوية القومية أو الثقافية.

ومن هنا، يصبح النقاش حول الحجاب انعكاسًا للخوف من التغيير الثقافي أكثر منه نقاشًا حول قطعة قماش أو مبدأ ديني.

رابعًا: القيم الغربية والتناقضات الكامنة

تقوم القيم الغربية المُعلنة على مبادئ الحرية، والمساواة، والتسامح، والتعددية. غير أن تطبيق هذه المبادئ يكشف أحيانًا عن تناقضات داخلية؛ فحين يُمنع الحجاب باسم “الحرية”، تصبح الحرية مقصورة على نمط ثقافي محدد، وتتحول العلمانية إلى نسق إقصائي بدل أن تكون إطارًا جامعًا.

وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل الحرية في الغرب هي حقّ الفرد في اختيار نمط حياته، أم هي التزامٌ بنمطٍ ثقافي واحد يُقدَّم على أنه “الطبيعي” و”الحديث”؟

خامسًا: أبعاد الصراع الحقيقية

الهجوم على الحجاب لا يعكس بالضرورة موقفًا من الإسلام كدين، بل هو في جوهره صراع على تعريف الهوية والمعنى في المجتمعات الحديثة. فالحجاب يذكّر الغرب بأن التنوّع الثقافي لا يمكن ضبطه ضمن نموذج واحد للحداثة، وأن الحرية ليست مفهومًا يحتكره الغرب وحده.

كما أن تصاعد أعداد النساء المسلمات في الغرب اللواتي يجمعن بين التمسك بدينهن والانخراط الإيجابي في الحياة العامة يقدّم نموذجًا جديدًا للمواطنة المتعددة الهويات، وهو ما يُربك الخطابات الأحادية التي تفصل بين “الغربي” و”المسلم”.

يمكن القول إن الجدل حول الحجاب والنقاب ليس خلافًا حول اللباس أو الدين، بل هو تعبير عن أزمة في تعريف الذات الغربية نفسها في زمن العولمة والتنوع الثقافي.

فكلما ازداد حضور المرأة المسلمة الواعية بحقها في اختيار مظهرها وهويتها، كلما اضطرت المجتمعات الغربية إلى إعادة التفكير في مفاهيمها عن الحرية والمساواة.

إن تجاوز هذا الصراع لا يكون بإقصاء الرموز الدينية، بل بترسيخ مفهوم شامل للحرية يضمن حقّ الجميع في الاختلاف دون خوف أو تمييز.