تحتمس الثالث – نابليون الشرق القديم
بقلم د.محمدكمال علام
منذ آلاف السنين… كانت مصر دائمًا في قلب التاريخ، وكانت جيوشها سيفًا ودرعًا للأمة. وعلى مر العصور، برز قادة عسكريون حملوا راية الوطن، وصنعوا مجدًا خالدًا… واليوم، نفتح أولى صفحاتنا مع أحد أعظم القادة في التاريخ: الفرعون المحارب، تحتمس الثالث."
تحتمس الثالث – نابليون الشرق القديم
قال التاريخ عنه أنه أعظم حكام مصر، وأنه أحد أقوى الأباطرة في التاريخ، حيث أسس أول إمبراطورية مصرية، استمرت لأكثر من أربعة قرون، تحديدًا منذ العام 1479 قبل الميلاد، حتي عام 1070 قبل الميلاد، طيلة حياته قاد 17 حملة عسكرية لقارة آسيا، وليغزو سوريا، وفلسطين، ويقتحم بلاد ما بين النهرين، فقد امتدت حدود مصر إلى عمق آسيا وإفريقيا ليؤسس إمبراطورية عظمى فى ذلك العصر
تحتمس الثالث والذي يعني اسمة "المولود لجحوتي" إله العلم والمعرفة، وهو الفرعون السادس من الأسرة ١٨، التى حكمت مصر فى الدولة الحديثة، وابن تحتمس الثانى من زوجته إيسة، كما انه أخ نصف شقيق للملكة حتشبسوت، والتي أصبحت وصية عليه عند اعتلائه العرش صبيًا فيما بعد، بل إنها أغتصبت منه العرش قبل أن يعتليه منفردًا بعد وفاتها، ليحكم مصر 54 عام كاملة.
طيلة سنوات حكمه ترك تحتمس الثالث العديد من الأثار التي تخلد انتصاراته ومعاركه،فى كل أنحاء مصر تقريبا من سيناء إلى الشلال الرابع، فقد شيد معابد وأضرحة فى الكرنك، بالإضافة للبوابتان العملاقتان السادسة والسابعة في قاعة الإحتفالات، ومعبد الدير البحري بجوار معبد حتشبسوت، وجبل السلسلة والإلفنتين، ومعبد للإله بتاح في موطنة منف، ويحتوى على ثلاث حجرات، الأولى لبتاح، والثانية لحتحو ربة طيبة، والثالثة للإلهه سخمت زوجة بتاح، كما أقام ما لا يقل عن سبع مسلات معظمها يزين عدد من عواصم العالم، في نيويورك ولندن وروما واسطنبول.
النشأة والخلفية
وُلد تحتمس الثالث في الأسرة الثامنة عشرة، في ذروة قوة الدولة الحديثة. لكنه لم يتولّ الحكم مباشرة… إذ جلست الملكة حتشبسوت على العرش، وحكمت مصر لسنوات طويلة، بينما كان هو قائدًا للجيوش. هناك، في ساحات التدريب العسكري، صُقلت شخصيته، وتعلم فنون القتال، حتى أصبح الفارس الأول لمصر
بداية المجد العسكري
بمجرد أن تسلم الحكم، وجد أمامه تحديًا عظيمًا. تحالفت المدن الكنعانية في فلسطين ضد مصر، واجتمع أكثر من 30 أميرًا في مدينة 'مجدو'. كان تحتمس يدرك أن النصر في هذه المعركة سيحسم مستقبل الإمبراطورية المصرية. وهنا، اتخذ قراره الجريء… أن يسلك الطريق الضيق بين الجبال، رغم اعتراض قادته. قرار خطير… لكنه قلب الموازين
معركة مجدو
في عام 1457 قبل الميلاد، اندلعت واحدة من أشهر معارك العالم القديم. باغت تحتمس أعداءه بخطته المفاجئة، فأغلق عليهم طرق الهروب، وحاصر المدينة 7 أشهر كاملة، حتى رضخوا وسلموا. ومن هنا، بدأ العصر الذهبي لمصر… فُتحت أمامها أبواب الشام، وامتد نفوذها حتى نهر الفرات
القائد الاستراتيجي
لم يكن تحتمس مجرد مقاتل شجاع… بل كان مخططًا عبقريًا. وضع أسس التنظيم العسكري، ابتكر طرقًا جديدة للإمداد والتموين، ودوّن انتصاراته على جدران الكرنك لتبقى شاهدًا على عصر القوة. قاد ما يقارب 17 حملة عسكرية ناجحة، حتى لُقب بـ 'نابليون الشرق القديم'
الإرث والخلود
بفضل تحتمس الثالث، أصبحت مصر أول إمبراطورية في التاريخ تمتد من أعالي النيل حتى الفرات. لم يكن مجرد فرعون… بل كان قائدًا عالميًا سابقًا لعصره. اسمه محفور في ذاكرة الشعوب، وصدى معاركه لا يزال يتردد حتى اليوم
وهكذا، يبدأ تاريخ قادة الجيش المصري مع أسطورة حقيقية… الفرعون المحارب تحتمس الثالث. قائد أثبت أن الجرأة في القرار، والعبقرية في التخطيط، يمكن أن تصنع إمبراطورية لا تنسى. وفي الحلقة القادمة… نتوقف مع بطل آخر، سطر ملحمة خالدة في معركة قادش… رمسيس الثاني
