تركيا ما بعد الخلافة: قصة نفي العثمانيين ومحاولة مندريس لمصالحة التاريخ”

 


تركيا 

في أعقاب إلغاء الخلافة العثمانية، شهدت تركيا واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخها الحديث، إذ طُرد أفراد الأسرة العثمانية ليلاً وبملابسهم المنزلية إلى أوروبا، وسط رفض واضح لطلبهم باللجوء إلى دول عربية مثل الأردن أو مصر أو بلاد الشام. القرار جاء، وفق روايات تاريخية، نتيجة ضغوط غربية أرادت إذلال الأسرة التي حكمت لقرون.

آخر السلاطين، محمد وحيد الدين، نُفي إلى فرنسا بعد مصادرة ممتلكاته كافة، ليعيش حياة قاسية انتهت بوفاته مُثقلاً بالديون، حتى إن جثته احتُجزت في كنيسة فرنسية إلى حين سداد التزامات مالية، قبل أن يتبرع مسلمون بجمع المبلغ ونقل جثمانه إلى دمشق حيث دُفن هناك.

على مدار أكثر من عشرين عامًا، عاش كثير من أفراد الأسرة في فقر مدقع. وتُروى مشاهد قاسية لأمراء اضطروا إلى إخفاء وجوههم والتسول في شوارع باريس.

ومع وصول عدنان مندريس إلى رئاسة الوزراء في تركيا، كانت أولى خطواته الإنسانية إعادة التواصل مع الأسرة المنفية. فزار باريس بنفسه، وبحث عن أفرادها إلى أن وصل إلى مصنع صغير في قرية فرنسية، حيث وجد زوجة السلطان عبد الحميد، السيدة شفيقة، وابنتها الأميرة عائشة تعملان في غسل الصحون مقابل أجر زهيد. المشهد دفعه للبكاء، وقبّل يديهما قائلاً: «سامحاني».

وبعد عودته إلى أنقرة، نجح بالتعاون مع الرئيس جلال بيار في إصدار قرار يسمح بعودة الإناث من الأسرة إلى تركيا، بينما أُعيد الذكور لاحقًا في عهد نجم الدين أربكان. ظل مندريس يزور السيدة شفيقة والأميرة عائشة في كل عيد، مانحًا إياهما دعمًا ماليًا من ماله الخاص، وهو ما استُخدم لاحقًا ضده ضمن الاتهامات أثناء محاكمته.

وفي 17 سبتمبر 1961، أُعدم عدنان مندريس عقب الانقلاب العسكري. وبعد يوم واحد فقط، وُجدت السيدة شفيقة والأميرة عائشة متوفيتين على سجادة الصلاة في وضع السجود، في مشهد ترك أثرًا بالغًا في الذاكرة التركية.