قطر والامارات هل تحولت أدوات للصراع فى المنطقة؟

 


صوفيا 

د.محمد كمال علام 

لعبة النفوذ في الخليج: كيف تحوّلت قطر والإمارات إلى أدوات صراع تُعيد رسم خريطة الأمن العربي والإفريقي

 المقدمة

في السنوات الأخيرة، خرجت بعض دول الخليج العربي من دورها التقليدي كـ"شريك اقتصادي" إلى لاعب سياسي وعسكري مؤثر في ملفاتٍ شديدة الحساسية، تمتد من ليبيا إلى السودان، ومن القرن الإفريقي إلى شواطئ المتوسط

وبينما تسوّق هذه الدول نفسها كقوى استقرار وتحديث، تشير حقائق الميدان إلى أن جزءًا من سياساتها، خصوصًا قطر ودويلة الإمارات العربية المتحدة ، أسهم في زعزعة أنظمة عربية وإفريقية هشة، عبر أدوات مالية وإعلامية وعسكرية تخدم – في كثير من الأحيان – أجندة واشنطن وتل أبيب، أكثر مما تخدم الأمن العربي المشترك

 أولاً: من أين يبدأ الطموح الخليجي؟

تبدو المسافة بين الدوحة وأبوظبي صغيرة على الخريطة، لكنها في الواقع تفصل بين مدرستين سياسيتين مختلفتين تمامًا

قطر التي تسعى إلى لعب دور المحاور” والوسيط السياسي، مستندةً إلى حضور إعلامي عالمي وتمويل منظم لشبكات نفوذ فكرية

الإمارات التي تبني نفوذها من خلال القوة الصلبة: المال، السلاح، والتحالف مع القوى الغربية، خاصةً أمريكا وإسرائيل


العامل المشترك بينهما هو هاجس البقاء في الواجهة رغم صِغَر المساحة وقلة السكان. فالجغرافيا لا تمنح وزناً سياسيًا، لكن المال والارتباط بالقوى الكبرى قد يفعلان ذلك

 ثانياً: أدوات التأثير – من الاقتصاد إلى الطائرات المسيّرة

المال كوسيلة ضغط

تستثمر الدوحة وأبوظبي مليارات الدولارات في دولٍ نامية مقابل امتيازات سياسية. فالمشروعات والمساعدات تُستخدم كوسيلة لترسيخ النفوذ، وليس فقط لدعم التنمية

التمويل السياسي الخفي أو المشروط صار سلاحًا ناعمًا له تأثير أخطر من الدبابات

الإعلام كسلاح فكري

قنوات كبرى تُوجّه الرأي العام، ومراكز أبحاث تصنع سردية محددة تخدم مصالح الداعم

ففي الوقت الذي استخدمت فيه قطر منصاتها الإعلامية لتسويق حركات الإسلام السياسي، عملت الإمارات على تمويل حملات مضادة لتصوير هذه الحركات كتهديد إرهابي، مما حول الإعلام العربي إلى ساحة حربٍ باردة

التحالفات مع واشنطن وتل أبيب

في عام 2020، وقّعت الإمارات اتفاق “أبراهام” لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، فتغيّر موقعها الإقليمي بشكل جذري

منذ ذلك التاريخ، أصبح التنسيق الأمني والعسكري مع إسرائيل والولايات المتحدة ركيزةً لسياساتها الخارجية

أما قطر، فاحتضنت أكبر قاعدة جوية أمريكية في المنطقة، ما جعلها جزءًا من معادلة القوة الغربية في الشرق الأوسط، رغم خطابها المعلن كوسيط عربي

التدخل غير المباشر

التقارير الاستقصائية الدولية – من الغارديان ولوموند وواشنطن بوست – كشفت مرارًا عن دعم إماراتي غير مباشر لقوات وميليشيات في السودان وليبيا واليمن

من نقل الأسلحة والطائرات المسيّرة، إلى تمويل شبكات تجارية تُغذّي اقتصاد الحرب، أصبحت الإمارات توصف بـ«الممول الصامت» في أكثر من جبهة نزاع

 ثالثاً: السودان... آخر ساحات التجريب

 الحرب السودانية نموذج واضح

منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عام 2023، تحوّل السودان إلى مسرح صراع نفوذ إقليمي

اتهمت الخرطوم رسميًا الإمارات بدعم قوات الدعم السريع عبر خطوط إمداد تمر بدولٍ إفريقية مجاورة، تشمل تشاد وأفريقيا الوسطى

وقد وصلت الأزمة ذروتها عندما قطعت السودان علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات في مايو 2025، متهمةً إياها بـ“تمويل حرب إبادة

 الأدلة الميدانية

صور الأقمار الصناعية وتحقيقات المنظمات الاستقصائية كشفت تدفق طائرات مسيرة حديثة إلى مناطق خاضعة لقوات الدعم السريع، ومعدات لوجستية يُعتقد أنها وصلت عبر وسطاء مرتبطين بشركات إماراتية

في المقابل، نفت أبوظبي هذه الاتهامات رسميًا، مؤكدة أنها تقدم فقط “مساعدات إنسانية

لكن الواقع الميداني أظهر أن الذهب السوداني أصبح يُهرّب عبر شبكات تمتد حتى دبي، مما يفتح تساؤلات حول من يستفيد فعلاً من استمرار النزاع

 رابعاً: الجغرافيا ليست في صالحهم

رغم الثروة الضخمة التي تملكها قطر والإمارات، إلا أن محدودية المساحة وضعف العمق السكاني والجغرافي يجعلان أي طموح توسعي محفوفاً بالمخاطر.

فمحاولة فرض نفوذ يتجاوز حدود الخليج تصطدم بمعادلة صعبة

 الشعوب العربية لم تعد تتقبل الهيمنة المقنّعة بالمال

* القوى الكبرى نفسها – خاصةً واشنطن – تتعامل مع هذه الدول كأدوات مصالح مؤقتة، لا كحلفاء دائمين

  بمعنى آخر، التاريخ لا يُكتب بالمال فقط، بل بالمواقف التي تحمي الأمن العربي لا التي تُمزّقه

 خامساً: بين “الوساطة” و”الوصاية

قطر تتحدث عن الوساطة في النزاعات، والإمارات تروّج لنفسها كقوة استقرار وتنمية، لكن الواقع يكشف أن كليهما يمارسان نوعاً من **الوصاية السياسية** على دول أضعف

في ليبيا واليمن والسودان، تتكرر الأنماط ذاتها

تمويل، تسليح، تحالفات خفية، ثم تصريحات رسمية عن “السعي للسلام

وهكذا يُعاد إنتاج الفوضى بأدوات جديدة

من الخليج إلى القرن الإفريقي، يتضح أن الطموح السياسي غير المحسوب لبعض الدول الصغيرة في الخليج يتحوّل إلى قنبلة موقوتة داخل النظام العربي

فبدلاً من توحيد الصف في وجه التهديدات الخارجية، تنشغل هذه الدول بلعب دور يفوق حجمها، مستندةً إلى دعم أمريكي وإسرائيلي لا يرى في العالم العربي إلا ساحة نفوذ ومصالح

ويبقى السودان اليوم الضحية الأحدث لهذا الصراع، بعد أن أصبح ميدان اختبار جديد للقوة والمال والإعلام

إنها ليست حرباً بين جيوشٍ فقط، بلحرب إرادات ومصالح، تكتب فصولها الآن على أرضٍ عربية، وبأموال عربية، لصالح قوى غريبة عن روح الأمة وأمنها