سيف الدين قطز – بطل عين جالوت

 


صوفيا 

د.محمد كمال علام 

 "عبر تاريخها الطويل، أنجبت مصر قادة وقفوا في وجه العواصف، حين ظن العالم أن النهاية قد اقتربت. ومن بين هؤلاء برز اسم واحد… كتب بدمه صفحة المجد الأخيرة في وجه الطوفان المغولي الذي اجتاح الممالك وسقطت أمامه الأمم. إنه السلطان سيف الدين قطز… بطل عين جالوت

 البداية من الأسر إلى العرش

هو الملك المظفر سيف الدين قُطُز محمود بن ممدود بن خوارزمشاه، سلطان مملوكي، توفي   1260م، تولى المُلك سنة 1259م. يُعدّ قُطُز بطل معركة عين جالوت، وقاهر التتار  المغول، ومُحرر  القدس من التتار، كما يعد أحد أبرز ملوك مصر، وذلك على الرغم من أن فترة حكمه لم تدم سوى أقل من عام واحد، حيث نجح في إعادة تعبئة وتجميع الجيش الإسلامي، واستطاع إيقاف زحف التتار  الذي كاد يقضي على الدولة الإسلامية، فهزمهم قُطُز بجيشه هزيمة كبيرة في عين جالوت، ولاحق فلولهم حتى حرر الشام بأكملها من سلطتهم 

سلسله مقالات تاريخية يدونها الاعلامى د. محمد كمال علام 
نشأته

ولد قطز في أسرة ملكية بمملكة خوارزمشاه بفارس عام 123، وتمَّ اختطافه عقب انهيار الدولة الخوارزمية على يد التتار، وحُمل هو وغيره من الأطفال إلى دمشق

لم يولد قطز على عرشٍ أو في قصر… بل وُلد عبدًا مملوكًا. اقتيد صغيرًا من خراسان إلى الشام، ثم إلى مصر، ليكون جنديًا في صفوف المماليك. لكن القدر كان يُعد له طريقًا مختلفًا

 في زمنٍ تعصف فيه المؤامرات بالدولة الأيوبية، ظهر قطز فارسًا شجاعًا، ذكيًا، مخلصًا، حتى تولى منصب نائب السلطنة. وحين احتاجت الأمة إلى منقذ، نهض قطز ليتولى العرش، لا طمعًا في مُلك، بل دفاعًا عن بقاء الإسلام ذاته

ال التهديد المغولي

كان العالم الإسلامي آنذاك يعيش واحدة من أحلك لحظاته. المغول، بقيادة هولاكو، اجتاحوا المشرق، وأسقطوا بغداد، وقتلوا الخليفة، ودمروا الحواضر الإسلامية. المدن سقطت واحدة تلو الأخرى، والرعب عمّ الممالك

 حين وصلت رسائل التهديد من قادة المغول إلى مصر، كتبوا فيها

’من ملك الملوك إلى ملك مصر… أسلم تسلم، وإلا أرسلنا إليك من يأتيك برأسك

 فغضب قطز، ومزّق الرسالة أمام الناس، وصرخ بصوته المزلزل

يا مسلمون! ما لكم إلا السيوف

 ومن تلك اللحظة، تحولت مصر إلى قلعة صمود ضد الغزو المغولي

 تعبئة الأمة

> "أعلن قطز الجهاد، وجمع صفوف المماليك، ووحّد كلمتهم بعد سنوات من الفتنة والانقسام. أعاد تنظيم الجيش، وأعدّ العدة، وأشرك العلماء في تحفيز الجنود وفي قلب القاهرة، وقف يخطب في الناس خطبته الشهيرة، يقول فيها ’أيها الناس، إنني ما توليت الحكم إلا للدفاع عن دين الله، فإن أنا قُتلت، فادفعوا عن دينكم بأنفسكم

 كانت تلك الكلمات كشرارة ألهبت الحماس في القلوب، ورفعت راية الجهاد عالية

 معركة عين جالوت

في الخامس والعشرين من رمضان عام 658هـ، التقى الجيشان في سهل عين جالوت بفلسطين

 تقدم المغول بقيادة كتبغا، بجبروتهم، لكن قطز كان قد أعدّ خطة بارعة. أخفى قواته خلف التلال، وبدأ المعركة بهجوم صغير ليجذب العدو، ثم انقضّ بنفسه في اللحظة الحاسمة، وهو يصيح صيحته الشهيرة

واإسلاماه… واإسلاماه

 دوّى صوته في الميدان، فاندفع الجنود خلفه كالطوفان. سقط القائد المغولي قتيلًا، وتبدد جيشهم، وسُجل أول انتصار حاسم على المغول في تاريخهم

 بعد النصر

بعد المعركة، عمّت الفرحة العالم الإسلامي. استعاد المسلمون ثقتهم بأنفسهم، وعادت القدس وغزة وبلاد الشام إلى الأمن بعد الخراب. لكن قطز لم يهنأ طويلًا… فبعد أسابيع من النصر، اغتاله بعض خصومه من داخل صفوف المماليك، لتبقى نهايته مأساة لبطل أنقذ أمة ثم رحل سريعًا

 رحل سيف الدين قطز، لكن صرخته *‘واإسلاماه’* ظلت خالدة في وجدان الأمة. لم يكن سلطانًا يبحث عن مجد شخصي، بل رجلًا اختاره القدر ليقف بين الإسلام والفناء

  وبفضل شجاعته، توقفت جيوش المغول عند حدود مصر، وبدأ من هناك عهد جديد من 

القوة والمجد

شارك قطز جيش الملك الصالح في صد الحملة الصليبية السابعة، وتمثلت شجاعة المماليك في الانتصار الكبير الذي حققوه في معركة المنصورة عام 1250م،والتي أُسر فيها الملك لويس التاسع قائد الحملة، وقد وصف أحد المؤرخين المماليك في تلك المعركة بقوله: والله لقد كنت أسمع زعقات الترك كالرعد القاصف، ونظرت إلى لمعان سيوفهم وبريقها كالبرق الخاطف، فلله درُّهم فقد أحيوا في ذلك اليوم الإسلام من جديد

تنصيبه سلطاناً لمصر

بدأ صدى طبول الحروب التتارية يتردد على حدود مصر، واقتربت رياح الغزو التتري لبلاد الشام ومصر، ولم يكن بوسع السلطان الصبي نور الدين علي أن يفعل شيئاً إزاء خطر التتار الداهم والقريب، ومع كل خبر جديد يصل عن وحشية التتار كانت الأحوال في مصر تزداد اضطراباً، ومع اقتراب جحافل التتار من الشام أرسل

الملك الناصررساله حملها المؤرخ والفقيه كمال بن العديم إلى مصر يستنجد بعساكرها،ولما قدم ابن العديم إلى القاهرةعُقد مجلس في القلعة حضره السلطان الصبي المنصور نور الدين علي، وحضره كبار أهل الرأي من العلماء والقضاة مثل قاضي القضاة بدر الدين حسن السنجاري، والشيخ العز بن عبد السلام، وكان من بين الحاضرين سيف الدين قطز، وكان هذا الاجتماع آخر خطوات قطز نحو وصوله لعرش مصر وقتال التتار   

الإعداد لمواجهة التتار ومعركة عين جالوت

أصبح خطرالتتار يهدد مصر بعد أن تمكنوا من الاستيلاء على جميع الإمارات والدول والأراضي الإسلامية، حتى وصلت سلطتهم إلى غزة، ولم يبقَ بينهم وبين مصر إلا معركة الحسم، بدأ المظفر قطز بالتحضير لمواجهة التتار، وكان أول أمر يقوم به هو إصداره عفواً عاماً وشاملاً عن المماليك البحرية الذين فروا إلى الشام بعد مقتل زعيمهم فارس الدين أقطاي، وكانت هذه الخطوة أبرز قرار سياسي اتخذه قطز، فقوات المماليك المعزية لا تكفي لحرب التتار، وكانت المماليك البحرية قوة عظيمة وقوية، ولها خبرة واسعة في الحروب، فإضافة قوة المماليك البحرية إلى المماليك المعزية الموجودة في مصر ستنشئ جيشاً قوياً قادراً على محاربة التتار، وكان من نتائج هذه الخطوة عودة القائد الظاهر بيبرس إلى مصر  فاستقبله قطز استقبالاً لائقاً، وعظم شأنه وأنزله دار الوزارة، وأقطعه قليوب وما حولها من القرى، وجعله في مقدمة الجيوش في معركة عين جالوت.

رسالة هولاكو لقطز

عندما كان سيف الدين قطز منشغلاً بإعداد الجيش وتجهيزه، جاءته رسالة من هولاكو يحملها أربع رسل من التتار، بمثابة إعلان صريح بالحرب أو تسليم مصر للتتار، على إثر الرسالة عقد قطز مجلساً ضمّ كبار الأمراء والقادة والوزراء وبدأوا مناقشة فحوى الرسالة، كان قطز مصمماً على خوض الحرب ورافضاً لمبدأ التسليم، وقال قطز مقولته لما رأى من بعض الأمراء التراخي في مواجهة التتار: «أنا ألقى التتار بنفسي»، ثم قال: «يا أمراء المسلمين لكم زمان تأكلون أموال بيت المال، وأنتم للغزاة كارهون، وأنا متوجه، فمن اختار الجهاد يصحبني، ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، فإن الله مطلع عليه، وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين»، وقال: «من للإسلام إن لم نكن نحن»، بعد هذه الكلمات أيد الأمراء المماليك قرار قطز في المواجهة، ثم قرر قطز أن يقطع أعناق الرسل الأربعة الذين أرسلهم هولاكو، وأن يعلق رؤوسهم على باب زويلة في القاهرة  

معركة غزة

بدأ جيش المسلمين في مصر بالتجمع في منطقة الصالحية (تقع الآن في محافظة الشرقية)، وهي منطقة صحراوية واسعة تستوعب الفرق العسكرية المختلفة، ثم توجه قطز بجيشه إلى سيناء، ثم سلك طريق الساحل الشمالي لسيناء بمحاذاة البحر الأبيض المتوسط، كان هذا التحرّك في أوائل يوليو 1260م، كان قطز يتحرك على شكل الخطة التي سيواجه التتار بها، حيث إنه لا يتحرك إلا وقد رتّب جيشه بالترتيب الذي سيقاتل به العدو لو حدث قتال، وقد وضع على مقدمة جيشه ركن الدين بيبرس ليكون أول من يصطدم بالتتار، وكان سيف الدين قطز قد سلك في ترتيب جيشه خطةً جديدة، حيث كوَّن في مقدمة الجيش فرقة كبيرة نسبياً على رأسها بيبرس، وجعل هذه الفرقة تتقدم كثيراً عن بقية الجيش التي تسير خلفها، وتظهر نفسها في تحركاتها، بينما يتخفى بقية الجيش في تحركاته، فإذا كان هناك جواسيس للتتار اعتقدوا أن مقدمة الجيش هي كل الجيش، فيكون استعدادهم على هذا الأساس، ثم يظهر بعد ذلك قطز على رأس الجيش الأساسي، وقد فاجأ التتار الذين لم يستعدوا له، اجتاز بيبرس سيناء ودخل فلسطين وتبعه قطز بعد ذلك في سيره. 

مخطط لسير المعركة في عين جالوت

بدأ صراع لا مجال فيه للهرب أو المناورة، وبدأ التتار يقاتلون بكل شجاعة، ، فتراجع المسلمون تحت ضغط بسالة التتار، وبدأ تساقط الشهداء في جيش المسلمين، كان قطز في هذه الأثناء في مكانٍ عالٍ خلف الصفوف يراقب الوضع، ويوجه فرق الجيش لسد الثغرات، ولما رأى معاناة ميسرة الجيش دفع بقوة احتياطية لمساندتها، ولكن هذه القوة لم تغير في الأمر شيئاً أمام بسالة وقوة ميمنة التتار، ثم دفع بقوة احتياطية أخرى، ولكن الموقف تأزم بشكلٍ أكبر، عندها قرر قطز أن ينزل بنفسه لأرض المعركة، فرمى خوذته وأخذ يصرخ «وا إسلاماه… وا إسلاماه»، وخرجت أعداد كبيرة من التتار باتجاه الشمال، وخرج المسلمون في طلبهم، حتى وصل التتار الفارون إلى مدينة بيسان، وعندما وصل إليهم المسلمون، لم يجد التتار أمامهم إلا أن يعيدوا تنظيم صفوفهم ويصطفوا من جديد، ودارت بين الطرفين معركة كبيرة قرب بيسان، وقاتل التتار فيها قتالاً شديداً، ودارت الدائرة لهم، عندها كرر قطز ما فعله في عين جالوت وأخذ يصيح بالجند «وا إسلاماه… وا إسلاماه… وا إسلاماه»، وأقبل الجند على القتال وارتفعت راية الإسلام وهوت راية التتار، وبدأ جنود التتار في التساقط، وكانت نتيجة المعركة أن أُبيد جيش التتار بأكمله، ولم يبقَ على قيد الحياة من الجيش أحد

 وفي الحلقة القادمة… نستكمل مسيرة البطولة مع رفيق دربه ووريث انتصاراته… السلطان 

الظاهر بيبرس، مؤسس الدولة المملوكية القوية، وباني الهيبة المصرية في وجه الغزاة