بين الجرافة والدعاء: حكاية حفّار قبور دفن 18 ألف جثمان في حرب واحدة

غزة 

لم يكن يوسف أبو حطب يتخيّل أن مهنته، التي ورثها عن آبائه كجزء من خدمة مجتمعه، ستتحوّل يوماً إلى سجل يومي للموت الجماعي. حفّار القبور القادم من أحد أحياء غزة، وجد نفسه خلال الحرب الأخيرة أمام مهمة تفوق طاقة البشر: دفن أكثر من 18 ألف جثمان خلال أشهر قليلة.

يقول أبو حطب إن الأيام فقدت معناها، والوقت لم يعد يُقاس بالساعات، بل بعدد الجثامين التي تصل تباعاً. “في بعض الأيام، كنا ندفن العشرات، وأحياناً المئات. لم يعد هناك متسع للحزن الفردي، فالموت كان أسرع من الدموع”، يروي بصوت مثقل بالتعب.

لم تكن المهمة تقتصر على الحفر فقط. كثيراً ما عمل يوسف تحت القصف، أو في ظلام دامس، أو بوسائل بدائية بعد نفاد الوقود وتعطّل الآليات. في أحيان كثيرة، لم تكن الجثامين كاملة، ولا معروفة الهوية، ما اضطره إلى دفن أطفال بلا أسماء، ونساء بلا وداع، وعائلات في قبر واحد.

ويضيف: “أصعب ما واجهته ليس عدد الموتى، بل نظرات الأحياء. أب يحمل كيساً بلاستيكياً فيه بقايا ابنه، أم تسألني إن كان القبر عميقاً بما يكفي ليحمي ابنتها من الحيوانات”. عند هذه اللحظات، كما يقول، لم يعد حفّار قبور فقط، بل شاهداً أخيراً على إنسانية تُسحق.

مع امتلاء المقابر، اضطر يوسف وزملاؤه إلى فتح قبور جماعية، في مشهد يختصر حجم الكارثة الإنسانية في غزة. “هذا مخالف لما نعرفه، ولما نريده، لكنه كان الخيار الوحيد أمام هذا العدد الهائل من الضحايا”، 

ورغم القسوة، يؤكد أبو حطب أنه كان يحاول، قدر الإمكان، أداء طقوس الدفن بكرامة: دعاء سريع، توجيه الجثمان نحو القبلة، ووضع علامة بسيطة لعلّ أحداً يعود يوماً للسؤال.

اليوم، وبعد أن تجاوز الرقم 18 ألف جثمان، يقول يوسف إن الحرب لم تترك له فرصة للحزن على نفسه. “ربما يأتي الوقت لاحقاً، عندما تتوقف المقابر عن التوسّع، ونتفرغ لعدّ ما فقدناه نحن الأحياء”.

قصة يوسف أبو حطب ليست مجرد شهادة فردية، بل مرآة لواقع إنساني قاسٍ، حيث تحوّل حفّارو القبور إلى مؤرخي الحرب الصامتين، يكتبون أرقامها في التراب، قبراً بعد قبر.