هزيمة بلا استعداد: كيف خسر الجيش المصري حرب 1948؟

 


دخل الجيش المصري حرب فلسطين عام 1948 وسط موجة حماس شعبي عارمة، باعتبارها معركة الدفاع عن الأرض العربية ومنع قيام دولة إسرائيل. غير أن الوقائع الميدانية كشفت لاحقًا أن الجيش خاض الحرب وهو يعاني ضعف الاستعداد، وسوء التخطيط، وتدخل القرار السياسي في الشأن العسكري، ما أدى في النهاية إلى هزيمة تركت آثارًا عميقة في التاريخ المصري والعربي.

بدأت الحرب عقب إعلان قيام دولة إسرائيل في 14 مايو/أيار 1948، وفي اليوم التالي تحركت الجيوش العربية، ومنها الجيش المصري الذي دخل من جهة سيناء باتجاه جنوب فلسطين. في الأيام الأولى، حققت القوات المصرية تقدمًا ملحوظًا وسيطرت على غزة والمجدل ووصلت إلى مشارف أسدود، إلا أن هذا التقدم لم يكن مبنيًا على خطة استراتيجية واضحة، بل جاء في ظل ارتباك القيادة وغياب التنسيق مع باقي الجيوش العربية.

سرعان ما ظهرت أوجه القصور داخل الجيش المصري، حيث عانى الجنود من نقص الإمدادات والذخيرة، وافتقار التدريب على حرب نظامية حديثة. وتفاقمت الأزمة مع ظهور ما عُرف لاحقًا بـ«قضية الأسلحة الفاسدة»، إذ تبيّن أن جزءًا من السلاح المستخدم غير صالح للقتال، الأمر الذي تسبب في سقوط ضحايا وأثر سلبًا على الروح المعنوية للقوات.

على المستوى السياسي، اتُّخذ قرار دخول الحرب في عهد الملك فاروق دون استعداد عسكري كافٍ، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي وتعزيز شرعية النظام الملكي. كما تدخل القصر الملكي في القرارات العسكرية، ما قيد حركة القيادات الميدانية وأفقدها القدرة على المناورة الفعالة. في الوقت نفسه، لم تكن هناك قيادة عربية موحدة، حيث عمل كل جيش وفق حساباته الخاصة، وهو ما استغلته القوات الإسرائيلية التي أعادت تنظيم صفوفها خلال فترات الهدنة وحصلت على دعم وتسليح متطور.

إحدى أبرز محطات الحرب كانت حصار كتيبة مصرية في منطقة الفالوجا، حيث صمد الجنود لشهور طويلة في ظروف قاسية، رغم نقص الغذاء والذخيرة. وقد مثّل هذا الصمود دليلاً على كفاءة الجندي المصري وشجاعته، في مقابل إخفاق واضح في إدارة المعركة على مستوى القيادة العليا. وكان من بين الضباط المحاصرين آنذاك جمال عبد الناصر، الذي ستلعب تجربته في الحرب دورًا مهمًا في تشكيل وعيه السياسي لاحقًا.

انتهت الحرب بتوقيع اتفاقيات الهدنة عام 1949، وأسفرت عن توسع رقعة الدولة الإسرائيلية مقارنة بما أقرّه قرار التقسيم، في حين بقيت غزة تحت الإدارة المصرية، والضفة الغربية تحت السيطرة الأردنية. أما في الداخل المصري، فقد كشفت الهزيمة حجم الفساد والخلل داخل مؤسسات الحكم والجيش، وأسهمت بشكل مباشر في تصاعد السخط الشعبي والعسكري الذي مهّد الطريق لثورة يوليو 1952.

لم تكن هزيمة الجيش المصري في حرب 1948 هزيمة جندي في ميدان القتال، بل هزيمة نظام سياسي أدار الحرب بعشوائية، وافتقر إلى الرؤية والتخطيط والمحاسبة. وبقيت هذه الحرب علامة فارقة، ليس فقط في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، بل في تاريخ التحولات الكبرى داخل الدولة المصرية نفسها.