ظلال الاستعمار تطارد رواندا: كيف مهد الدور البلجيكي لمذبحة الهوتو والتوتسي عام 1994


كيغالي 

لا تزال مذبحة رواندا عام 1994، التي راح ضحيتها نحو 800 ألف شخص خلال مئة يوم فقط، واحدة من أبشع الجرائم الجماعية في القرن العشرين. وبينما تركز الذاكرة العالمية على العنف الذي ارتكبه متطرفو الهوتو ضد أقلية التوتسي، يعود الجدل مجدداً حول الدور التاريخي لبلجيكا، القوة الاستعمارية السابقة، في زرع جذور الانقسام الذي انفجر لاحقاً في واحدة من أكثر المجازر دموية في التاريخ الحديث.

دخلت بلجيكا رواندا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، بعد أن انتزعتها من السيطرة الألمانية، وحكمتها تحت انتداب عصبة الأمم، ثم الأمم المتحدة. وخلال فترة الحكم الاستعماري البلجيكي (1916–1962)، اعتمدت الإدارة الاستعمارية سياسة قائمة على التقسيم العرقي المنهجي، حيث صنّفت السكان إلى هوتو وتوتسي وتوا، رغم أن الفوارق بينهم كانت اجتماعية–اقتصادية أكثر منها عرقية.

وعملت السلطات البلجيكية، بالتعاون مع البعثات التبشيرية، على ترسيخ تفوق التوتسي في الإدارة والتعليم والجيش، معتبرة إياهم “أقرب عرقياً” إلى الأوروبيين، وفق نظريات عنصرية كانت سائدة آنذاك. كما فرضت بطاقات هوية عرقية في ثلاثينيات القرن الماضي، ما جعل الانتماء العرقي ثابتاً وموروثاً، ومهّد لتحويله إلى أداة إقصاء وعنف لاحقاً.

ومع اقتراب الاستقلال في أواخر الخمسينيات، غيّرت بلجيكا بوصلتها السياسية بشكل مفاجئ، فدعمت نخب الهوتو في مواجهة التوتسي، في محاولة للحفاظ على نفوذها وسط تصاعد المطالب الوطنية. وأسهم هذا التحول في اندلاع موجات عنف مبكرة، وسقوط آلاف الضحايا، ونزوح أعداد كبيرة من التوتسي إلى دول الجوار، في ما اعتُبر تمهيداً مباشراً لانفجار الصراع لاحقاً.

ويرى مؤرخون وباحثون أن بلجيكا، رغم انسحابها الرسمي عام 1962، تركت دولة هشة قائمة على انقسامات عميقة، ومؤسسات ضعيفة، وذاكرة جماعية مثقلة بالتمييز والتحريض. ولم تُبذل جهود جدية لمعالجة هذا الإرث أو دعم مصالحة حقيقية، ما جعل رواندا عرضة للانهيار عند أول اختبار كبير.

وفي عام 1994، ومع اغتيال الرئيس جوفينال هابياريمانا، انفجرت الكراهية المتراكمة، لتتحول خلال أيام إلى حملة إبادة منظمة، استخدمت فيها الهويات العرقية – التي رسخها الاستعمار – كقوائم قتل جاهزة.

ورغم اعتراف بلجيكا لاحقاً بـ«مسؤوليتها الأخلاقية» عن بعض جوانب الماضي الاستعماري، بما في ذلك اعتذار رسمي عن دورها في اغتيال رئيس وزراء رواندا باتريس لومومبا في الكونغو المجاورة، إلا أن ملف رواندا لا يزال يثير مطالب متجددة بمساءلة أوسع، وتعويضات رمزية ومعنوية، ومراجعة شاملة للتاريخ الاستعماري الأوروبي في أفريقيا.

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود على المذبحة، تؤكد رواندا أن العدالة لا تكتمل دون الاعتراف بالجذور الحقيقية للصراع، فيما يرى مراقبون أن تجربة البلاد تمثل درساً عالمياً حول خطورة السياسات الاستعمارية القائمة على التفريق والهيمنة، وآثارها الممتدة عبر الأجيال.