سيرة وجع طويل: بديعة مصابني خارج صورة النجمة
لم تكن بديعة مصابني مجرد راقصة شرقية صنعت مجدها على خشبات المسارح، ولا اسمًا لامعًا ارتبط بازدهار الفن الاستعراضي في القاهرة خلال النصف الأول من القرن العشرين، بل كانت — قبل كل ذلك — طفلة صغيرة حاصرتها المآسي مبكرًا، وحملت جراحًا نفسية لم تندمل رغم الشهرة والثراء.
بداية بلا أضواء
وُلدت بديعة مصابني باسم وديعة، لأب لبناني وأم سورية، ونشأت في سوريا وسط أسرة كانت تنتمي إلى الطبقة الميسورة. سبعة إخوة، وطفولة يفترض أن تكون آمنة، لكنها سرعان ما انهارت دفعة واحدة.
التحوّل المفصلي في حياتها جاء مع احتراق مصنع والدها، الحدث الذي لم يحتمله الأب، فمات حزنًا وقهرًا. في يوم العزاء، وكأن القدر يصرّ على القسوة، سُرقت مجوهرات الأم، لتجد الأسرة نفسها فجأة بلا عائل، وبلا مال، وبلا أمان.
الجريمة التي غيّرت كل شيء
بعد وفاة الأب مباشرة، وكانت بديعة في السابعة من عمرها فقط، وقعت المأساة الأكبر. ذهبت الطفلة إلى محل يعمل فيه شقيقها الأكبر لتبلغه بأمر ما، لكنها وصلت بعد مغادرته بدقائق. استغل صاحب المحل وحدتها، أغلق المكان، وارتكب جريمة هزّت حياتها إلى الأبد.
حين علمت الأم، أبلغت الشرطة ورفعت قضية، لكن النفوذ الاجتماعي كان أقوى من العدالة. صدر الحكم بسجن الجاني عامًا واحدًا فقط، وغرامة 200 ليرة، بينما دفعت الأسرة الثمن الأكبر: تهديدات، خوف دائم، ونبذ اجتماعي.
الهروب بدل الحماية
لم يُنظر إلى الطفلة كضحية، بل كـ"فضيحة". هدد الجاني الأم بالانتقام بعد خروجه من السجن، فقررت الهرب. رهنت ما تبقى من ممتلكات الأسرة، وانتقلت بأطفالها إلى لبنان، ثم استقلوا باخرة متجهة إلى أمريكا الجنوبية.
لكن الرحلة لم تكن خلاصًا. تروي بديعة لاحقًا أن أمها كانت ترى فيها سبب كل ما حدث، ودعت عليها علنًا قبل ركوب السفينة قائلة:ربنا يقصف عمرك».
أما إخوتها الذكور، فكانوا يفرغون غضبهم وضيقهم فيها بالضرب والإهانة. تقول بديعة إن يومي الرحلة كانا أقسى عليها من الجريمة نفسها، لدرجة أنها كانت تستنجد بالبحارة ليحموها من أهلها.
القاهرة… فرصة ثانية للحياة
بعد سنوات من التيه، وصلت بديعة إلى القاهرة وهي في التاسعة عشرة من عمرها. هناك، وجدت الفن كملاذ أخير. انضمت إلى فرقة نجيب الريحاني، وسرعان ما تحولت إلى نجمة مسرحية واستعراضية، وواحدة من أهم الراقصات الشرقيات في تاريخ مصر.
تزوجت من الريحاني، وشاركت في معظم أعماله المسرحية، وأصبحت اسمًا أساسيًا في صناعة الترفيه، لا مجرد مؤدية، بل صاحبة رؤية فنية وإدارية.
محاولة مواجهة الماضي
رغم النجاح، لم يهدأ الماضي. قررت بديعة العودة إلى سوريا بعد سنوات، مدفوعة برغبة دفينة في مواجهة الرجل الذي دمّر طفولتها، وربما الانتقام منه، أو على الأقل استعادة شيء من كرامتها المسلوبة.
لكنها وصلت متأخرة. كان الرجل قد مات، وسقط حلم المواجهة الذي حملته معها سنوات طويلة. عادت إلى القاهرة محمّلة بخيبة جديدة، وكأن القدر يصرّ على حرمانها حتى من لحظة العدالة الرمزية.
الثراء ثم الانكسار
بعد طلاقها من نجيب الريحاني، افتتحت كازينو بديعة، الذي أصبح مدرسة فنية خرّجت أسماء كبيرة، وجمعت منه ثروة ضخمة. لكنها لم تكن سيدة المال بقدر ما كانت سيدة الفن.
في عام 1949، تراكمت الضرائب وخسر الكازينو، لتدخل بديعة أزمة مالية قاسية أجبرتها على إغلاقه، ومغادرة مصر نهائيًا.
النهاية بعيدًا عن المسرح
استقرت في لبنان، في منطقة شتورة، وابتعدت تمامًا عن الفن والرقص. أنشأت مشروعات زراعية، ثم محلًا لبيع الألبان، وعاشت حياة هادئة بعيدة عن الأضواء لمدة 24 عامًا.
في عام 1974، رحلت بديعة مصابني عن عمر ناهز 86 عامًا، امرأة عاشت حياة استثنائية، مليئة بالنجاحات، لكنها بدأت بندوب لا تُمحى.
قصة تتجاوز الفن
قصة بديعة مصابني ليست فقط سيرة فنانة، بل شهادة قاسية على الظلم الاجتماعي، وعلى كيف يمكن لطفلة منكسرة أن تتحول إلى رمز، دون أن تشفى تمامًا.
وربما لهذا السبب، بقيت بديعة — رغم كل المجد — امرأة تبحث عن سلام لم تجده إلا في العزلة.
