أطروحة تكشف الدور التنموي للأوقاف المسيحية في شمال لبنان: وفرص واعدة للنهوض المجتمعي

 

بيروت 

في إنجاز أكاديمي يُعدّ من الدراسات النادرة في مجال العمل الوقفي داخل المجتمع المسيحي في لبنان، أظهرت أطروحة علمية حديثة صورة شاملة للدور التنموي الذي تؤديه الأوقاف المسيحية – المارونية والأرثوذكسية – في شمال لبنان، مع تحليلٍ معمّق لواقعها التنفيذي وأثرها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.

الدراسة، التي استغرقت سنوات من العمل الميداني، قدّمت قراءة غير مسبوقة لواقع أبرشيّة طرابلس المارونية وأبرشية طرابلس  وتوابعهما للروم الأرثوذكس، عبر مسح 138 رعية شملت مختلف القرى والبلدات. ويعتبر هذا العمل من أوسع الدراسات التي أُنجزت حول الأوقاف المسيحية من حيث التغطية الجغرافية والعمق التحليلي وتنوع مصادر البيانات.

وتكشف الباحثة كيتا يوسف يوسف – باحثة في علم الاجتماع أنّ آلاف الأمتار من الأراضي الوقفية المنتشرة في هذه المناطق تُستخدم اليوم كمساحات فعّالة لخدمة المجتمع، سواء عبر مؤسسات تعليمية وصحية واجتماعية وخيرية، أو عبر أنشطة رعوية وثقافية تلعب دورًا مهمًا في تعزيز صمود العائلات وخصوصًا في ظلّ الأزمة الاقتصادية الحادّة التي يمرّ بها لبنان.

وتقول الباحثة في تصريح خاص:"إنّ الأوقاف ليست مجرد أملاك عقارية، بل هي طاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية غير مُفعّلة بالكامل. وقد أثبتت الدراسة أن الأوقاف قادرة على لعب دور استراتيجي في تحقيق التنمية المستدامة، لكنها تحتاج إلى إدارة أكثر احترافًا وتخطيطًا مؤسسيًا طويل الأمد."

وتشير النتائج إلى أنّ المؤسسات الوقفية في الأبرشيتين تسهم فعليًا في دعم أهداف التنمية المستدامة من خلال:

دعم التعليم والطلاب عبر مؤسسات تربوية ومدارس.

توفير خدمات اجتماعية وصحية للفئات الأكثر حاجة.

خلق فرص عمل ضمن مؤسسات اقتصادية وإنتاجية تابعة للأوقاف.

حماية الإرث الثقافي والديني وتعزيز الانتماء والهوية.

إلا أنّ الدراسة تكشف أيضًا عن فجوات بنيوية تعيق عملية التطوير، أبرزها:

غياب الإحصاءات الدقيقة والبيانات الحديثة.

ضعف الحوكمة وغياب الخطط الاستراتيجية المتكاملة.

عدم تفريغ الكهنة للعمل الرعوي في العديد من الرعايا.

تفاوت واضح في القدرة التنموية بين المناطق، وخصوصًا بين زغرتا والكورة.

وتوضح الباحثة في هذا السياق:

"نحن أمام فرصة تاريخية لإعادة هيكلة دور الأوقاف باعتبارها قطاعًا ثالثًا مكمّلًا للدولة والمجتمع المدني. إذا تمّ اعتماد مبادئ الشفافية والمأسسة، فإنّ الأوقاف قادرة على أن تصبح رافعة اقتصادية واجتماعية حقيقية، خصوصًا في المناطق الطرفية والمهمّشة".

كما تؤكد أن التباينات الجغرافية تشكّل عاملًا أساسيًا في فهم واقع الأوقاف:

"لوحظ أن مناطق مثل زغرتا والكورة تمتلك وزنًا وقفيًا ومذهبيًا واقتصاديًا أكبر، مما يتيح لها فرصًا أكبر للنهوض التنموي، بينما تحتاج المناطق الأصغر إلى دعم وجهود تنظيمية لتعزيز دورها الاجتماعي".

وتخلص الدراسة إلى ضرورة اعتماد خطة وقفية شاملة تجمع بين الرؤية الدينية، والمنظور الاجتماعي، والحوكمة الحديثة، بهدف الحفاظ على الإرث المسيحي وتطويره بما يخدم الإنسان أولًا.

وتختم الباحثة كيتا يوسف يوسف برسالة واضحة:

"إنّ مستقبل الأوقاف المسيحية في شمال لبنان واعد جدًا إذا ما تحوّلت من عمل فردي إلى مؤسسي، ومن مبادرات متفرّقة إلى رؤية تنموية جامعة. هذه الأوقاف يمكن أن تكون صمّام أمان اجتماعي في زمن الأزمات".