حين قتل الأخ أمّه… الوجه الآخر من حياة الشحرورة»
في عام 1948، كانت صباح تعيش أجمل بدايات حياتها. صوتها يلمع في مصر، اسمها يصعد بسرعة، تسافر بين القاهرة ودمشق وبيروت برفقة والدها، وتعيش زواجًا جديدًا في مصر، غير مدركة أن القدر كان يخبئ لها واحدة من أقسى صدمات العمر.
في لبنان، كانت والدتها منيرة سمعان تعيش مع ابنيها أنطوان ولمياء. امرأة أنهكها الإهمال، فزوجها غارق في السفر مع ابنته صباح ومشوارها الفني، تاركًا زوجته وحيدة تواجه فراغًا قاسيًا ووحدة طويلة. في تلك العزلة، تعرّفت منيرة على شاب لبناني كان يعمل ممثلًا مع ابنتها لمياء في أحد الأفلام، ونشأت بينهما علاقة عاطفية حاولت أن تخفيها عن العائلة والمجتمع.
لكن السر لم يظل سرًا طويلًا. أنطوان، شقيق صباح، كان في الثامنة عشرة من عمره حين علم بالعلاقة. شاب صغير، محاصر بنظرة مجتمع لا يرحم، وبكلمات قاسية ألقاها أحد الأقارب في أذنه: كيف تقبل أن تكون أمك على علاقة غرامية؟ العار لا يُغسل إلا بالدم. ومع الوقت، بدأ الغضب يلتهم عقله، وراح يراقب والدته في صمت قاتل.
وفي يوم بعيد عن العيون، خرجت منيرة مع الشاب إلى منطقة قرب بلدة برمانا، على بعد نحو عشرين كيلومترًا من بيروت، ليقضيا يومًا معًا بعيدًا عن الناس. هناك، رآهما أنطوان بعينيه. في تلك اللحظة، غلى الدم في عروقه، وأعمته فكرة واحدة. أخرج مسدسه، وأطلق النار. سقطت الأم، وسقط الرجل معها، وفي لحظة واحدة انهارت عائلة كاملة إلى الأبد.
حين أفاق أنطوان مما فعل، لم يجد أمامه سوى الهرب. ساعده أقاربه على الفرار إلى سوريا خوفًا من انتقام أهل القتيل، ثم جرى تهريبه إلى البرازيل بعد تغيير اسمه إلى ألبرت فغالي. أما منيرة سمعان، فدُفنت في مكان لم يُعرف أبدًا، حتى صباح نفسها لم تعرف طوال حياتها أين وُوري جسد أمها الثرى.
في البرازيل، حاول أنطوان أن يعيش باسم جديد وحياة جديدة. تزوج عام 1955 من امرأة لبنانية الأصل، وأنجب طفلين: ريكاردو، الذي أصبح موسيقيًا وملحنًا معروفًا، وجنديرا، التي صارت لاحقًا عضوة في مجلس النواب البرازيلي. لكن الجريمة لم تتركه. عاش عمره كله مثقلًا بالندم، يقول لأخته لمياء إن الذهب يتحول في يده إلى تراب، وإنه لا يعرف طعم النجاح لأن دم أمه يطارده في كل خطوة.
بعد عشرين عامًا، صدر عفو عن الجريمة في لبنان، وتمكنت ابنته من زيارة الوطن والتعرف على صباح وبقية العائلة. أما صباح، فقد بقيت بعيدة عن أخيها سنوات طويلة، مقاطِعة، عاجزة عن الغفران. لكنها عادت وتواصلت معه بعد أن تأكدت أنه عاش عمره معذبًا بندمه، لا هاربًا من ذنبه.
صباح كانت في مصر حين وقعت الجريمة. قبلها بأيام، رأت في منامها أن أمها ماتت. استيقظت مفزوعة، وقالت لزوجها نجيب الشماس إنها تشعر أن شيئًا سيئًا حدث، لكن الحقيقة كانت قد وقعت بالفعل، ولم يجرؤ أحد على إخبارها. عرفت الخبر بعد أيام من الصحف اللبنانية التي وصلت القاهرة متأخرة، تحمل تفاصيل مقتل أمها وهروب شقيقها.
ظلت صباح تردد طوال حياتها أن تلك القصة لم تفارقها يومًا. كانت تقول إن أمها ربما أخطأت في لحظة ضعف إنساني، لكنها لم تستحق نهاية بهذه القسوة. وكانت تعترف أن هي وأختها لمياء لا تستطيعان المرور قرب المكان الذي قُتلت فيه أمّهما، مهما مرت السنوات، إلا وينهاران بالبكاء… كأن الجريمة لم تحدث بالأمس، بل ما زالت تقع في داخلهما كل يوم.
