لماذا تعيد دمشق فتح معابد اليهود الآن؟

 


فتحي الضبع 

في تطور غير مسبوق منذ عقود، بدأت سوريا خطوات رسمية لإعادة إحياء التراث اليهودي في البلاد، عبر تسجيل “مؤسسة التراث اليهودي في سوريا” كأول منظمة يهودية غير حكومية تحصل على ترخيص قانوني، بهدف ترميم المعابد والمواقع الدينية اليهودية التي تضررت خلال سنوات الحرب، وتنظيم زيارات دينية وسياحية لليهود السوريين في الخارج.

وتضم المؤسسة مجموعة من اليهود السوريين – الأميركيين، من بينهم هنري حمرا، الذي وُلد في سوريا وغادرها في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يعود إليها أربع مرات منذ سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، ضمن وفود نظمتها “قوة الطوارئ السورية”، وهي مجموعة ضغط تسعى لتعزيز العلاقات بين واشنطن والحكومة السورية الجديدة.

وهنري حمرا هو نجل يوسف حمرا، الذي يُعرف بأنه آخر حاخام غادر سوريا في ظل القيود المشددة التي فرضها النظام السابق على الجالية اليهودية.

وبحسب مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، شملت التحركات الأخيرة زيارات إلى دمشق وحلب، حيث جرى تجهيز كنيس يهودي مغلق منذ عشرات السنين في مدينة حلب تمهيداً لتسليمه للمؤسسة. وأوضح أن “لا وجود فعلياً لليهود في حلب حالياً، إلا أن إعادة فتح المعبد تمهّد لتنظيم زيارات دينية وسياحية”.

وأشار عبد الرحمن إلى أن مساعي تسليم المعابد لا تقتصر على دمشق وحلب، بل يُتوقع أن تمتد إلى القامشلي، حيث توجد معابد يهودية أخرى.

من جهتها، أكدت وزيرة الشؤون الاجتماعية السورية، هند قبوات، في تصريحات لوكالة أسوشيتد برس، أن “اليهود السوريين جزء لا يتجزأ من النسيج السوري”، معتبرة أن تأسيس مؤسسة التراث اليهودي “رسالة إلى العالم بأن سوريا دولة تتسع لجميع مكوناتها، وأن الجميع متساوون أمام القانون”.

وكان عدد اليهود في سوريا قد بلغ نحو 100 ألف شخص مطلع القرن العشرين، قبل أن تبدأ موجات الهجرة المتتالية، التي تسارعت بعد قيام دولة إسرائيل عام 1948، ثم خلال العقود اللاحقة بسبب القيود الأمنية والسياسية. ومع رفع قيود السفر عام 1992، غادر معظم من تبقى من الجالية، لتدخل المعابد والمواقع الدينية اليهودية مرحلة طويلة من الإهمال والنهب.

ورغم ترحيب الحكومة الجديدة بعودة اليهود السوريين، لا تزال مخاوف قائمة لدى أفراد الجالية في الشتات، تتعلق بسلامة الأقليات الدينية في ظل سجل حديث من العنف الطائفي، وتراجع تمثيل الأقليات في مواقع القرار.

هل يتكرر هذا النموذج في دول أخرى هاجر منها اليهود؟

نعم، تشهد عدة دول عربية وإسلامية محاولات مشابهة لإعادة ترميم التراث اليهودي، لكن الدوافع والسياقات تختلف من بلد إلى آخر:

1. المغرب: النموذج الأكثر استقراراً

المغرب يُعد الحالة الأبرز.

الدولة موّلت ترميم عشرات المعابد والمقابر اليهودية.

تم إدراج التراث اليهودي في المناهج التعليمية.

الخطوة جاءت ضمن سياسة رسمية قديمة تقوم على الاعتراف بالتعدد الديني، وليس نتيجة ضغوط خارجية فقط.

2. مصر: ترميم دون عودة

أعادت مصر ترميم معابد بارزة مثل معبد “إلياهو هانبي” في الإسكندرية.

لا يوجد تشجيع فعلي على عودة اليهود للإقامة، بل يقتصر الأمر على السياحة الدينية والحفاظ على الآثار.

الخطوة تحمل طابعاً ثقافياً وتاريخياً أكثر منه سياسياً.

3. العراق: محاولات محدودة وحساسة

هناك نقاشات حول ترميم معابد يهودية في بغداد والبصرة.

تواجه هذه الجهود رفضاً شعبياً واسعاً وحساسية سياسية شديدة بسبب الصراع مع إسرائيل.

لم تصل بعد إلى مستوى اعتراف مؤسسي أو قانوني واضح.

4. تونس: حماية موسمّية

تحرص الدولة على تأمين كنيس الغريبة خلال موسم الحج اليهودي.

يتم التعامل مع التراث اليهودي كجزء من السياحة الدينية، دون خطاب سياسي موسّع حول عودة اليهود.

كيف تختلف الحالة السورية؟

الحالة السورية تتميز بثلاث نقاط رئيسية:

1. التوقيت السياسي: تأتي الخطوة بعد تغيير جذري في السلطة، في لحظة تسعى فيها الحكومة الجديدة إلى كسر العزلة الدولية.

2. الرسالة الخارجية: إعادة فتح المعابد تُستخدم كدليل على “حماية الأقليات” لتحسين صورة النظام أمام الغرب.

3. غياب الجالية المحلية: بخلاف المغرب أو تونس، لا توجد جالية يهودية فاعلة داخل البلاد، ما يجعل المشروع أقرب إلى “إدارة تراث” لا “إحياء مجتمع”

إعادة تسليم المعابد اليهودية في سوريا ليست حدثاً دينياً فحسب، بل خطوة سياسية بامتياز، تحمل رسائل موجهة للخارج أكثر من الداخل. وهي تندرج ضمن نمط إقليمي أوسع لإعادة توظيف التراث اليهودي كجسر دبلوماسي وثقافي، يختلف في عمقه وصدقيته من دولة إلى أخرى.