حرب بلا نهاية قريبة: أوكرانيا بين استنزاف الجبهات ومخاوف الهزيمة الغربية
بقلم
د. محمد كمال علام
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها، لم تعد الحرب الروسية–الأوكرانية مجرد نزاع عسكري تقليدي، بل تحولت إلى مواجهة مفتوحة على شكل النظام الدولي ومستقبل التوازنات في أوروبا والعالم. فروسيا تخوض الحرب بوصفها معركة وجودية لمنع تطويقها استراتيجيًا، بينما ترى أوكرانيا فيها حرب بقاء وسيادة، في حين يتعامل الغرب معها كاختبار حاسم لمصداقية الردع وهيبة حلف شمال الأطلسي.
لهذا السبب، يبدو سؤال «متى تنتهي الحرب؟» مضللًا في حد ذاته، إذ إن جوهر الصراع لا يرتبط بالزمن، بل بقدرة أحد الأطراف على فرض تسوية أو تجنّب هزيمة استراتيجية مكلفة.
جبهات مشتعلة بلا حسم
ميدانيًا، تتوزع المعارك على عدة جبهات رئيسية دون تحقيق اختراق حاسم:
في الشرق (دونباس) تستمر أعنف المواجهات، حيث تعتمد القوات الروسية على التفوق العددي والمدفعي، مقابل دفاع أوكراني مرن قائم على الضربات الدقيقة واستنزاف الخصم.
في الشمال (خاركيف – كوبيانسك) تشهد المعارك عمليات كر وفر، مع مكاسب تكتيكية مؤقتة لأوكرانيا سرعان ما تواجه ضغطًا روسيًا مضادًا.
في الجنوب (زابوريجيا – خيرسون) تحاول كييف اختراق تحصينات روسية عميقة تهدف إلى تأمين الممر البري نحو القرم، دون نجاح حاسم حتى الآن.
في الجو والطاقة كثّفت موسكو هجماتها على البنية التحتية الكهربائية الأوكرانية، في مسعى واضح لإنهاك المجتمع والاقتصاد، وليس القوات المسلحة فقط.
النتيجة: خطوط تماس شبه ثابتة، واستنزاف متبادل يمنع الحسم السريع.
ميزان قوة غير حاسم
يمتلك كل طرف عناصر تفوق مختلفة. فروسيا تعتمد على احتياطي بشري واسع وقاعدة صناعات عسكرية قادرة على تعويض الخسائر وتحمل حرب طويلة. في المقابل، تستفيد أوكرانيا من تسليح غربي متقدم ودعم استخباراتي عالي الدقة، إضافة إلى تعبئة وطنية ومعنويات دفاعية مرتفعة.
لكن هذا التوازن أنتج واقعًا مأزومًا: قدرة على الصمود، دون قدرة على كسر إرادة الطرف الآخر.
الاقتصاد والسياسة: كلفة تتصاعد
رغم العقوبات الغربية الواسعة، لم تنهَر القدرة الروسية على مواصلة الحرب، إذ أعادت موسكو توجيه اقتصادها نحو آسيا، مع اعتماد متزايد على الصين ودول آسيا الوسطى. أما أوكرانيا، فتعتمد بشكل شبه كامل على الدعم المالي والعسكري الخارجي، ما يجعل أي تراجع غربي تهديدًا وجوديًا لها.
في الغرب نفسه، تتزايد الانقسامات السياسية، وتصعد أصوات شعبية تطالب بإنهاء الحرب وتقليل كلفتها الاقتصادية والاجتماعية، خصوصًا مع اقتراب استحقاقات انتخابية في عدد من الدول الكبرى.
سيناريوهات النهاية: سلام مؤجل أو صراع مجمّد
وفق تقديرات مراكز أبحاث ودبلوماسيين غربيين، تتوزع احتمالات المستقبل على النحو التالي:
تجميد الصراع عبر هدنة طويلة دون حل نهائي: الاحتمال الأكبر.
استمرار حرب الاستنزاف لسنوات إضافية: خيار واقعي قائم.
تسوية سياسية شاملة بتنازلات متبادلة: احتمال ضعيف.
حسم عسكري كامل لصالح أحد الأطراف: احتمال محدود للغاية.
ولا يُرجّح أن تنتهي الحرب دون حدث كبير، مثل انهيار داخلي سياسي، أو تغير جذري في الموقف الغربي، أو صدمة عسكرية مفاجئة، أو صفقة دولية واسعة تشمل أمن أوروبا والعلاقة مع روسيا.
الغرب بين السلام والهزيمة
تشير المعطيات إلى أن الغرب لم يحقق نصرًا استراتيجيًا في أوكرانيا، لكنه في الوقت نفسه منع روسيا من تحقيق نصر كامل. فالعقوبات لم تُسقط موسكو، لكنها قيّدت قدرتها على التوسع، والدعم العسكري لم يمنح كييف الحسم، لكنه منع انهيارها.
بعبارة أدق، يدير الغرب اليوم خسارة محسوبة، لا نصرًا حاسمًا. وهو يخشى الهزيمة أكثر مما يخشى سلامًا ناقصًا، لأن الهزيمة تعني سقوط صورة التفوق والردع، وتشجيع خصومه العالميين على تحديه في ساحات أخرى.
الدور التركي: وسيط على حافة المقامرة
في خضم هذا المشهد، برزت تركيا لاعبًا براغماتيًا يسعى إلى تثبيت نفسه كقناة الاتصال الوحيدة القادرة على مخاطبة الجميع. فهي تقدم دعمًا محدودًا لأوكرانيا دون القطيعة مع موسكو، وتحافظ على علاقات اقتصادية مفتوحة مع روسيا، في محاولة للظهور كصانع سلام لا كتابع للناتو.
الرهان التركي يقوم على إدارة لحظة الإنهاك القصوى، وطرح تسوية تقوم على تجميد الصراع بدل حله، وتقديم تنازلات غير معلنة تحفظ ماء الوجه للجميع.
