تقسيم الصومال… معركة النفوذ التي تقترب من الأمن القومي المصري وقناة السويس..بقلم د.محمدعلى

 نيوجرسي

في خضم انشغال الرأي العام بتطورات إقليمية متسارعة، تدور في محيطنا القريب معركة لا تقل خطورة عن الحروب التقليدية، لكنها أكثر هدوءًا وأبعد أثرًا. إنها معركة إعادة رسم الخرائط، حيث يصبح تقسيم الدول مدخلًا مباشرًا للفوضى الإقليمية وتهديد الأمن القومي للدول المحورية، وعلى رأسها مصر.

مؤخرًا، أعلنت مصر موقفًا حاسمًا وواضحًا برفض أي محاولات لتقسيم الصومال أو الاعتراف بكيانات انفصالية، وهو موقف عبّر عنه وزير الخارجية المصري صراحة، تأكيدًا على التزام القاهرة بوحدة الدول الوطنية ورفضها العبث بحدودها. يأتي ذلك في توقيت بالغ الحساسية، بعد اعتراف إسرائيل بما يُسمّى «أرض الصومال» ككيان مستقل عن الدولة الصومالية الأم، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز حدود القرن الأفريقي.

الاعتراف بكيانات انفصالية في مناطق هشة ليس تحركًا معزولًا أو عابرًا، بل هو جزء من لعبة نفوذ معقدة تعتمد على خلق بؤر توتر جديدة تُستخدم لاحقًا كورقة ضغط سياسي وأمني. القرن الأفريقي، وبالأخص الصومال، يمثل نقطة ارتكاز استراتيجية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم: باب المندب، البوابة الجنوبية لقناة السويس، شريان التجارة العالمي وأحد أعمدة القوة الاقتصادية والأمنية لمصر.

الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في تقسيم دولة عربية أفريقية، بل في التوقيت والسياق. فالمنطقة تشهد صراعًا غير مباشر بين مصر وإسرائيل على أكثر من جبهة: من التوترات في البحر الأحمر، إلى ملفات شرق المتوسط والغاز، وصولًا إلى تداعيات الحرب في قطاع غزة وما تفرضه من حسابات أمنية وسياسية معقدة. هذه الجبهات المتعددة تكشف أن التحركات الإسرائيلية في الصومال ليست منفصلة، بل جزء من استراتيجية أوسع للضغط وتوسيع دوائر النفوذ في محيط مصر الإقليمي.

إن التلاعب بخرائط الدول في هذه المنطقة الحساسة يفتح الباب أمام فوضى طويلة الأمد، ويخلق واقعًا أمنيًا هشًا يمكن استغلاله لتهديد المصالح العربية والمصرية، سواء عبر تعطيل الملاحة، أو فرض وقائع جديدة بالقرب من خطوط التجارة العالمية. ومن هنا، يصبح الدفاع عن وحدة الصومال موقفًا مبدئيًا وسياديًا، لكنه في الوقت ذاته دفاع مباشر عن الأمن القومي المصري.

الوعي بما يدور حولنا لم يعد ترفًا فكريًا أو نقاشًا نخبويًا، بل ضرورة وطنية. ما يحدث في الصومال يمثل محاولة تطويق غير مباشر لمصر، والضغط على أهم أوراق قوتها الاستراتيجية، وعلى رأسها قناة السويس. استشعار الخطر مبكرًا وفهم أبعاده هو الخطوة الأولى لاحتوائه، أما تجاهله، فقد يحوله إلى أزمة تمس الاقتصاد، والأمن القومي، ومستقبل الدولة.