أوروبا الغنية… فقراء أكثر: اتساع هوّة العيش الكريم في قلب القارة»


في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم ثراءً وتنظيماً، تتسع رقعة الفقر في أوروبا بوتيرة مقلقة، لتكشف عن مفارقة صارخة بين قوة الاقتصاد الكلي وتراجع القدرة المعيشية لشرائح واسعة من السكان. لم يعد الفقر الأوروبي ظاهرة هامشية مرتبطة بالبطالة فقط، بل أصبح واقعاً يومياً يطال العاملين، والمتقاعدين، والمهاجرين، وحتى الطبقة الوسطى في بعض الدول.

فقر جديد بملامح مختلفة

الفقر في أوروبا اليوم لا يعني فقط انعدام الدخل، بل يشمل ما يُعرف بـ«فقر العمل»، حيث يعمل ملايين الأوروبيين بدوام كامل أو جزئي، لكن دخولهم لا تكفي لتغطية تكاليف السكن والطاقة والغذاء. ارتفاع الإيجارات، وتكاليف التدفئة، وأسعار المواد الأساسية، جعل العيش الكريم هدفاً بعيد المنال لكثيرين.

التضخم والحرب والطاقة

أسهمت الأزمات المتلاحقة — من جائحة كورونا إلى الحرب في أوكرانيا — في تسريع وتيرة الفقر. فقد أدى تضخم الأسعار، خصوصاً في الطاقة والغذاء، إلى تآكل الدخول الثابتة، بينما لم تواكب الأجور هذا الارتفاع. ومع اعتماد دول أوروبية عديدة على سياسات تقشف أو دعم محدود، وجد الفقراء أنفسهم أول المتضررين.

الفئات الأكثر هشاشة

تتصدر النساء، والأطفال، وكبار السن، والمهاجرون قوائم المتأثرين. ففي الأحياء الطرفية للمدن الكبرى، تتزايد طوابير بنوك الطعام، ويعتمد آلاف المتقاعدين على المساعدات الخيرية لتأمين احتياجاتهم الأساسية. أما اللاجئون والمهاجرون، فيواجهون فقرًا مركبًا، يجمع بين ضعف الدخل، وصعوبات الاندماج، والتمييز في سوق العمل.

تفاوت داخل الاتحاد الأوروبي

رغم وحدة السوق الأوروبية، إلا أن الفقر يتخذ أشكالاً متفاوتة بين الشمال والجنوب والشرق. دول الجنوب والشرق تعاني نسباً أعلى من الحرمان الاجتماعي، بينما يظهر في دول الشمال فقر «خفّي» مرتبط بارتفاع تكاليف المعيشة، لا بانخفاض الأجور فقط.

سياسات تحت الاختبار

تواجه الحكومات الأوروبية اختباراً حقيقياً لسياسات الحماية الاجتماعية. فبين الدعوات لرفع الحد الأدنى للأجور، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي، وتحقيق عدالة ضريبية، يبقى السؤال مطروحاً: هل تستطيع أوروبا الحفاظ على نموذجها الاجتماعي، أم أن الفقر سيصبح السمة الجديدة للقارة العجوز؟

الفقر في أوروبا لم يعد استثناءً، بل مؤشر إنذار مبكر لتحولات اقتصادية واجتماعية عميقة. ومع غياب حلول شاملة وطويلة الأمد، يخشى مراقبون أن يتحول هذا الفقر من أزمة عابرة إلى واقع دائم، يعيد رسم الخريطة الاجتماعية للقارة.