الحلقة الثامنة: جمال عبد الناصر – الضابط الذي صار أمة
صوفيا
بقلم د.محمد كمال علام
"في لحظات الانكسار، لا تصنع الشعوب قادتها… بل يخرج القادة من رحم المعاناة
وبعد قرون من السيطرة الأجنبية، والتبعية السياسية، والتفاوت الاجتماعي، ظهر ضابط مصري شاب، لم يكن يملك ثروة ولا نفوذًا… لكنه امتلك ما هو أخطر: حلمًا بوطن حر
إنه الرجل الذي غيّر وجه مصر، وحرّك وجدان العالم العربي، وكتب اسمه في ذاكرة القرن العشرين
جمال عبد الناصر
النشأة والوعي المبكر
وُلد جمال عبد الناصر عام 1918 في حي باكوس بالإسكندرية، لأسرة مصرية بسيطة تنقّل مع والده الموظف بين محافظات مصر، فتعرف مبكرًا على وجوه الفقر، والظلم، والتفاوت الطبقي
في شوارع القاهرة، وبين مظاهرات الطلاب ضد الاحتلال البريطاني، تشكل وعيه السياسيلم يكن شابًا ثوريًا صاخبًا، بل كان صامتًا… يراقب، يحلل، ويختزن الغضب في داخله
الجيش كطريق للخلاص
التحق ناصر بالكلية الحربية، لا حبًا في الرتب، بل إيمانًا بأن الجيش هو الأداة الوحيدة القادرة على كسر الهيمنة الأجنبية
هناك، التقى برفاقه الذين سيصنعون التاريخ: عبد الحكيم عامر، أنور السادات، زكريا محيي الدين
ومن قلب الثكنات العسكرية، وُلد تنظيم سري سيغيّر مصير مصر: **تنظيم الضباط الأحرار
ثورة 23 يوليو 1952
في ليلة صيف حارة… تحركت الدبابات
> لم تكن ثورة جماهيرية صاخبة، بل انقلابًا منضبطًا تحوّل خلال ساعات إلى ثورة شعبية
> سقط حكم الملك فاروق، وانتهى عهد الملكية، وبدأ فصل جديد في تاريخ مصر
> في البداية، لم يكن ناصر في الواجهة… لكنه كان العقل المدبر، واليد التي تمسك بالخيوط كلها
من قائد خفي إلى زعيم معلن
بعد إقصاء محمد نجيب، خرج جمال عبد الناصر إلى العلن
عام 1954، أصبح الرجل الأول في الدولة، وبدأ في تنفيذ مشروعه الكبير
استقلال القرار المصري، العدالة الاجتماعية، وبناء دولة قوية ذات سيادة
أصدر قانون الإصلاح الزراعي، فكسر هيمنة الإقطاع، ومنح الفلاح لأول مرة أرضًا يزرعها باسمه.
تأميم قناة السويس (1956)
"في 26 يوليو 1956، وقف عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، وألقى خطابًا سيُخلَّد في التاريخ
كلمة واحدة كانت الشرارة: ديليسبس
في تلك اللحظة، أعلن تأميم قناة السويس… شريان التجارة العالمية، ورمز الهيمنة الاستعمارية
القرار كان صاعقًا… وردّ الغرب كان عدوانًا ثلاثيًا: بريطانيا، فرنسا، وإسرائيل
عسكريًا كانت المعركة غير متكافئة، لكن سياسيًا… انتصر ناصر، وخرج من الأزمة زعيمًا عالميًا، ورمزًا للتحرر
ناصر والعالم العربي
لم يكن جمال عبد الناصر زعيمًا مصريًا فقط… بل أصبح صوت العرب
دعم حركات التحرر في الجزائر، واليمن، وأفريقيا
حلم بالوحدة العربية، فقام الاتحاد مع سوريا في الجمهورية العربية المتحدة
ورغم فشل التجربة، بقي ناصر رمزًا لفكرة أن العرب أمة واحدة، لا مجرد دول متفرقة
بناء الدولة والجيش
في الداخل، أطلق ناصر مشروعًا ضخمًا للتصنيع الثقيل، وبنى السد العالي، ووسع التعليم المجاني، وأعاد تشكيل الجيش المصري بعقيدة وطنية
لم يكن المشروع بلا أخطاء… فالدولة الأمنية، وتقييد الحريات السياسية، كانت من أثمان المرحلة
لكن ناصر كان يرى نفسه في معركة وجود، لا ترف فيها للديمقراطية الغربية
نكسة 1967
جاءت اللحظة الأقسى
في يونيو 1967، تلقى الجيش المصري هزيمة قاسية أمام إسرائيل
سقطت سيناء، وانهار الحلم العربي في أيام قليلة
خرج ناصر على الشعب، وأعلن تحمله المسؤولية، وقدم استقالته. لكن الجماهير خرجت بالملايين، تهتف: *لا… لا
فبقي، وبدأ ما عُرف بـ حرب الاستنزاف، لإعادة بناء الجيش، واستعادة الكرامة
الرحيل المفاجئ
في 28 سبتمبر 1970، وبعد وساطة شاقة لوقف القتال في الأردن، رحل جمال عبد الناصر فجأة
خرجت جنازته الأكبر في تاريخ المنطقة
لم يكن الناس يودّعون رئيسًا فقط… بل فكرة، وحلمًا، وزمنًا كاملًا
ناصر… بين الأسطورة والواقع
اختلفوا حوله
بين من يراه ديكتاتورًا، ومن يراه زعيمًا تاريخيًا
بين من يحاسبه على الهزيمة، ومن يخلده بسبب الكرامة الوطنية
لكن ما لا يختلف عليه اثنان… أن جمال عبد الناصر غيّر مصر، وترك أثرًا لا يُمحى في وجدان الأمة العربية
لم يكن ملاكًا… ولم يكن شيطانًا.> كان ابن زمنه… وقائد مرحلة، وصوت شعبٍ أراد أن يقف مرفوع الرأس
