كيف تُدار الهيمنة العالمية؟ النفط، السلاح، والمخدرات كأدوات نفوذ في النظام الدولي المعاصر
صوفيا
بقلم: د\ محمد كمال ذكي علام
في عالم لا تحكمه الأخلاق بقدر ما تحكمه المصالح، لا تُقاس قوة الدول بعدد شعاراتها أو خطابها الحقوقي، بل بقدرتها على التحكم في مفاصل القوة الحقيقية عبر التاريخ الحديث، لم تتغير قواعد الهيمنة كثيرًا، وإنما تغيرت أدواتها وواجهاتها
وإذا أردنا تلخيص مفاتيح السيطرة على النظام الدولي، فإنها تدور حول ثلاثة محاور مركزية
الطاقة (النفط)، السلاح، والاقتصاد غير المشروع وعلى رأسه المخدرات
الولايات المتحدة، باعتبارها القوة العظمى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم تصل إلى موقعها الحالي بالصدفة، بل عبر إدارة دقيقة لهذه المفاصل، أحيانًا بالقانون، وأحيانًا خارجه، وغالبًا بقوة الأمر الواقع
أولًا: النفط… عصب السيطرة على الدول لا على الأسواق فقط
منذ اكتشاف النفط وتحوله إلى شريان الحضارة الصناعية، أصبح التحكم في مصادر الطاقة مرادفًا للتحكم في القرار السياسي للدول
ليس المطلوب امتلاك النفط، بل **التحكم في تدفقه وتسعيره ومن يُسمح له بالاستفادة منه
كيف تستخدم الولايات المتحدة النفط سياسيًا؟
العقوبات: حرمان دول كاملة من بيع نفطها أو تقييد عائداته (العراق، إيران، فنزويلا)
التحكم في طرق الإمداد: عبر القواعد العسكرية في الخليج، البحر الأحمر، المتوسط.
إدارة السوق العالمية: بالتنسيق أو الضغط على دول منتجة، أو عبر الدولار الذي يُسعَّر به النفط
النتيجة ليست فقط إضعاف الدول المستهدفة اقتصاديًا، بل تفكيك قدرتها على اتخاذ قرار سيادي مستقل، لأن الدولة التي لا تسيطر على طاقتها، لا تسيطر على سياستها
ثانيًا: السلاح… تجارة لا تهدف للربح فقط بل لصناعة التبعية
الولايات المتحدة هي أكبر مُصدّر للسلاح في العالم**، لكن المسألة أعمق من أرقام المبيعات
السلاح الأمريكي لا يُباع كسلعة، بل كـ منظومة تبعية سياسية وأمنية طويلة الأمد
لماذا السلاح أداة هيمنة؟
الدولة التي تشتري السلاح الأمريكي
تحتاج تدريبًا أمريكيًا
تحتاج صيانة وقطع غيار
تحتاج موافقات سياسية لاستخدامه
أي خلاف سياسي قد يتحول فورًا إلى
إيقاف صفقات
تعطيل الذخيرة
شلل عسكري جزئي أو كامل
هكذا يتحول الجيش من أداة سيادة وطنية إلى ذراع مقيدة بشروط خارجية
وليس مصادفة أن معظم النزاعات المزمنة في العالم تُدار بأسلحة أمريكية، بينما يُقدَّم ذلك تحت شعار “حفظ التوازن” أو “دعم الحلفاء”
ثالثًا: المخدرات… الاقتصاد القذر في ظل الشعارات النظيفة
ظاهريًا، تقود الولايات المتحدة “حربًا عالمية على المخدرات”، لكن نتائج هذه الحرب تطرح سؤالًا مشروعًا
لماذا لم تُهزم تجارة المخدرات رغم عقود من الحرب عليها؟
الوجه الخفي للملف
تدخلات عسكرية وأمنية تحت شعار مكافحة المخدرات
دعم أنظمة أو جماعات ثبت لاحقًا تورطها في نفس التجارة
استخدام الملف كذريعة لاختراق الدول أمنيًا واستخباراتيًا
المخدرات ليست مجرد جريمة، بل اقتصاد ضخم غير شرعي يُستخدم أحيانًا
لتمويل حروب بالوكالة
لإضعاف مجتمعات كاملة
لإغراق دول في الفوضى الاجتماعية والأمنية
حتى إن لم يكن هناك “إدارة مباشرة” لهذه التجارة، فإن غض الطرف الانتقائي عنها في أماكن معينة يثير تساؤلات عميقة حول ازدواجية المعايير
القانون الدولي، نظريًا، وُجد لمنع تغوّل الأقوياء
لكن عمليًا، أصبح انتقائي التطبيق
يُفعَّل بقسوة ضد دول ضعيفة
ويُعطَّل أو يُفسَّر بمرونة عندما يتعلق الأمر بالقوى الكبرى
العقوبات الأحادية، التدخلات دون تفويض أممي، والحصار الاقتصادي الجماعي، كلها ممارسات تتناقض مع روح القانون الدولي، لكنها تستمر لأن ميزان القوة يسمح بذلك
القانون بلا قوة تحميه، يتحول إلى نص أخلاقي بلا أسنان
خلاصة: هيمنة لا تُدار بالسلاح فقط
الولايات المتحدة لا تحكم العالم بالدبابات وحدها، بل ب التحكم في الطاقةـ
صناعة التبعية العسكرية
إدارة الفوضى الاقتصادية والأمنية
وتطويع القانون الدولي أو تجاوزه
الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في قوة هذه الأدوات، بل في **تواطؤ نخب محلية داخل الدول المستهدفة، ساهمت – بوعي أو بدونه – في تدمير أوطانها، ثم ادّعت العجز أمام الخارج
كلمة أخيرة
العالم لا يحتاج شعارات معادية، بل وعي سياسي واقتصادي حقيقي
فالتحرر لا يبدأ برفض الهيمنة لفظيًا، بل بفهم أدواتها، وبناء بدائل واقعية، واستعادة مفهوم الدولة القادرة لا الدولة التابعة
الهيمنة لا تُفرض فقط… أحيانًا تُستدعى من الداخل
