نحو قوة تصويت واعية: لماذا يحتاج المهاجرون في السويد إلى صوت واضح وأحزاب تمثلهم

 

ستوكهولم 

في خضم النقاش السياسي السويدي، تتعالى أصوات من داخل اليسار تنتقد إنشاء أحزاب جديدة، خاصة تلك التي أسسها مهاجرون، بحجة أنها "تشتت الأصوات" و"تعود بالفائدة على أحزاب اليمين". ولكن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة ديمقراطية أساسية: الحق في التمثيل السياسي المباشر، ويتجاهل أيضاً السؤال الجوهري: ماذا قدّم اليسار فعلياً للمهاجرين في السويد؟

القوة الرقمية التي تُهمَل

تشكّل الجالية من أصول أجنبية في السويد حوالي 24% من إجمالي السكان، نصفهم من أصول مسلمة. هذه النسبة تمثل قوة تصويتية هائلة يمكن أن تحسم نحو 25 مقعداً برلمانياً وأكثر من 200 مقعد في البلديات والمحافظات. إنها قوة كافية لتغيير المشهد السياسي السويدي جذرياً.

السيناريوهات المتاحة واضحة:

· إذا صوتت هذه الكتلة لليسار، فإن اليسار ينجح بقوة ويحكم.

· إذا صوت نصفها للأحزاب الجديدة التي أسسها مهاجرون، فسيتخطى العديد منها حاجز الـ4% ويدخل البرلمان.

· في كل الأحوال، قوة التصويت الواعية والمتماسكة تضمن تمثيلاً أفضل لمصالح المهاجرين.

مسؤولية اليسار: مواقف واضحة لا مواربة

بدلاً من ترهيب الناخب المهاجر من التصويت لأحزاب تمثله مباشرة، على اليسار، وخاصة الحزب الاشتراكي الديمقراطي، أن يقدموا مواقف واضحة لا مواربة فيها تجاه السياسات التي تؤثر مباشرة على حياة المهاجرين.

لقد سنّت الحكومة الحالية، بمساندة حزب سفاريا ديمقراطيا، سلسلة من القوانين التي تستهدف المهاجرين وتقيد حقوقهم. والموقف المطلوب من اليسار ليس مجرد انتقادات عامة، بل:

· مواقف بلغة الأرقام: برامج واضحة لزيادة ميزانيات الاندماج، خفض فترات انتظار الجنسية، وتسهيل الاعتراف بالشهادات الأجنبية.

· مواقف تحمي التعددية الثقافية: تشريعات واضحة ضد التمييز، ودعم للغات والثقافات الأصلية في إطار الاندماج الإيجابي.

· مواقف تدعم الهجرة والاندماج: سياسات هجرة إنسانية، وإصلاح نظام اللجوء، وبرامج اندماج فعالة.

· مواقف تضمن المساواة: معالجة الفجوات في سوق العمل، والسكن، والتعليم، والرعاية الصحية.

الخطر الحقيقي: اليسار الذي يلعب على وتر الخوف

الخطير في بعض الخطاب اليساري اليوم هو أنه يلعب على وتر "اليمين المخيف" لدفع المهاجرين للتصويت لليسار، دون أن يقدم بديلاً حقيقياً يحمي مصالحهم. هذه الاستراتيجية قصيرة النظر وتتعامل مع الناخب المهاجر ككتلة تصويتية عمياء بدلاً من مواطنين لهم مطالب وحقوق واضحة.

التعددية الحزبية التي تشمل أحزاباً أسسها مهاجرون ليست تهديداً للديمقراطية، بل إثراء لها. فهي تضمن:

· تمثيلاً مباشراً لمصالح فئات مهمشة.

· إثراء النقاش السياسي بوجهات نظر متنوعة.

· ضغطاً إيجابياً على الأحزاب التقليدية لتبني مواقف أكثر وضوحاً تجاه قضايا الهجرة والاندماج.

نحو مستقبل أفضل: قوة تصويت واعية

على المهاجرين في السويد أن يدركوا قوتهم التصويتية، وأن يطالبوا جميع الأحزاب، بما فيها أحزاب اليسار، بمواقف واضحة تجاه:

· إصلاح قوانين الهجرة المقيدة.

· مكافحة التمييز الهيكلي في سوق العمل والسكن.

· حماية التعددية الثقافية والدينية.

· ضمان المساواة في الحقوق والفرص.

الخيار ليس بين "اليسار الذي نخافه أقل" و"أحزاب المهاجرين التي تشتت الأصوات". الخيار الحقيقي هو في ممارسة الحق الديمقراطي في خيارات متعددة، ومطالبة جميع الأحزاب ببرامج واضحة تدافع عن مصالح جميع المواطنين بغض النظر عن أصولهم.

في انتخابات 2026، لن يكون التصويت مجرد اختيار بين أحزاب، بل سيكون رسالة واضحة: إن المهاجرين في السويد مواطنون كاملي الحقوق، ولهم مطالب واضحة، ولديهم القوة لتحقيقها من خلال صناديق الاقتراع. واليسار الذي يريد أصواتهم عليه أن يثبت جدارته بها، ليس بالخوف من اليمين، بل ببرنامج واضح يدافع فعلياً عن حقوقهم ومستقبلهم في السويد.

د.محمود الدبعي 

رئيس المركز السويدى لتنمية اللاجئين بالسويد