دينا باول ماكورميك: الوجه المصري في مراكز النفوذ الأمريكي


واشنطن 

 ليست مجرد أصول بعيدة تُذكر على الهامش، بل ابنة ضابط في الجيش المصري، وصل إلى رتبة نقيب، يُدعى أنسي حبيب، وأمها السيدة هدى سليمان، خريجة الجامعة الأمريكية بالقاهرة والحاصلة على درجة الماجستير.

عائلة مصرية مسيحية عادية، عاشت حياة مستقرة، قبل أن تتخذ قرارًا استثنائيًا سيغير مصيرها بالكامل.

في عام 1977، غادرت الأسرة مصر، وكانت دينا في الرابعة من عمرها.

لا أحد يعرف على وجه الدقة سبب الرحيل، خصوصًا أن كل المعطيات كانت تشير إلى حياة كريمة متاحة: أب ضابط جيش، وأم متعلمة تعليمًا عاليًا، ومكانة اجتماعية مستقرة.

لكن يبدو أن مناخ عدم الاستقرار في تلك المرحلة كان كافيًا لاتخاذ قرار صعب… ومصيري.

كان الثمن باهظًا.

فالأب، الذي كان يتمتع بامتيازات الضابط في مصر، بدأ حياته في ولاية تكساس الأمريكية سائقًا لحافلة، ثم افتتح لاحقًا متجر بقالة صغيرًا بالقرب من منزله.

أما الأم، الحاصلة على ماجستير من الجامعة الأمريكية، فعملت في متجر آخر لتأمين احتياجات الأسرة وتعليم ابنتها.

وبين هذا كله، وجدت دينا نفسها في مواجهة صدمة الاندماج.

دخلت المدارس الأمريكية دون أن تتحدث كلمة واحدة باللغة الإنجليزية.

اندماج قاسٍ، وشعور دائم بالاختلاف.

زملاؤها يتناولون طعامًا أمريكيًا خالصًا، بينما كانت تحمل في حقيبتها ورق عنب وطعمية أعدّتهما والدتها.

كانت تشعر بالحرج، وهو شعور مفهوم لطفلة تحاول أن تتشبه بالآخرين، فيما تؤكد تفاصيلها اليومية أنها مختلفة.

وفي المنزل، لم يكن هناك مجال للتنازل:

الحديث باللغة العربية فقط.

كانت تعترض، وتتساءل بمرارة:

نحن لن نعود إلى مصر، فلماذا الإصرار على هذه التربية؟

بعد سنوات، ستقول دينا إن هذا الإصرار كان أعظم هدية منحها لها والداها.

إتقانها الكامل للغة العربية، وفهمها العميق للفروق الثقافية الدقيقة في الشرق الأوسط، منحاها ميزة تنافسية نادرة، فتحت أمامها أبواب الكونغرس والبيت الأبيض.

عندما دخلت عالم السياسة، لم تكن مجرد متدربة عادية.

خلفيتها المصرية جعلتها أكثر تميزًا، وأكثر طلبًا.

عملت مع الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، وأصبحت مساعدته قبل أن تبلغ الثلاثين من عمرها، في سابقة هي الأولى من نوعها في التاريخ الأمريكي.

وكانت مسؤولة عن اختيار وتعيين ما يقرب من أربعة آلاف موظف سياسي في الحكومة الفيدرالية.

لفت نشاطها وكفاءتها أنظار كونداليزا رايس، التي استدعتها عام 2005 للعمل مساعدة لها في وزارة الخارجية الأمريكية.

ومن هناك، اتسعت الدائرة أكثر.

غادرت دينا العمل الحكومي لاحقًا، وانتقلت إلى عالم المال والاستثمار عبر بوابة بنك «غولدمان ساكس».

المفارقة أنها لم تكن تمتلك خلفية اقتصادية، إذ كانت دراستها في مجال العلوم الإنسانية.

غير أن ما كانت تمتلكه فعلًا هو شبكة علاقات دولية واسعة، وخبرة جيوسياسية عميقة، وفهمًا دقيقًا لمراكز القوة وصناعة القرار في العالم.

طُلبت، ثم عُيّنت شريكة، قبل أن تتولى لاحقًا رئاسة مؤسسة «غولدمان ساكس».

وخلال هذه المسيرة، لم تنقطع صلتها بمصر.

ساهمت في شراكة أكاديمية مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وشاركت في تدريب نحو ثلاثمائة سيدة من رائدات الأعمال من مختلف المحافظات المصرية.

كما عملت مستشارة اقتصادية في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكان لها حضور قوي ومؤثر في ملفات الشرق الأوسط.

وتزوجت من ديفيد ماكورميك، السيناتور الأمريكي عن ولاية بنسلفانيا، وأحد أبرز رجال النفوذ في الولايات المتحدة.

وسط هذه السيرة الحافلة، لم يكن مفاجئًا أن تصبح عضوًا في مجلس إدارة شركة «ميتا».

ولم يكن غريبًا أن يختارها مارك زوكربيرغ لتعمل مباشرة تحته على رأس مجلس الإدارة.