مصر....الإلحاد يتمدد في الظل: هل نحن أمام موجة فكرية خطيرة؟

 


الوكالة الكندية للأنباء 

خلال السنوات الأخيرة تصاعد الجدل في مصر حول ما يُعرف بظاهرة الإلحاد أو اللادينية، مع اتساع مساحة النقاش على منصات التواصل الاجتماعي وظهور محتوى فكري ناقد للدين، خاصة بين بعض فئات الشباب. وبين من يعتبر الأمر ظاهرة محدودة يجري تضخيمها إعلاميًا، ومن يراها مؤشرًا على تحولات فكرية واجتماعية أعمق، تتباين التقديرات وتظل الأرقام الرسمية غير متوفرة بدقة.

نقاش متزايد دون أرقام رسمية

لا توجد إحصاءات حكومية دقيقة ترصد أعداد الملحدين في مصر، لكن مراقبين يشيرون إلى أن الحضور الأكبر للنقاشات الإلحادية أو المتشككة في الدين على الإنترنت، وازدياد الأسئلة الفلسفية والدينية المطروحة علنًا، يعكسان تحولًا في طريقة تناول القضايا العقدية، أكثر من كونه تحولًا رقميًا في الأعداد نفسها.

ويرى باحثون اجتماعيون أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا محوريًا في كسر الحواجز التقليدية للنقاش، ووفرت مساحات للتعبير عن الشكوك الفكرية دون المرور بالقنوات الدينية أو الاجتماعية المعتادة.

أسباب متعددة وراء الظاهرة

يربط مختصون بين تنامي الخطاب الإلحادي أو اللاديني وعدة عوامل متداخلة، أبرزها:

الانفتاح المعرفي الرقمي: الوصول السهل إلى محتوى فلسفي وعلمي عالمي، ومناظرات فكرية ناقدة للأديان.

فجوة الخطاب الديني: شعور بعض الشباب بأن الخطاب التقليدي لا يجيب عن أسئلتهم الوجودية المعاصرة.

التجارب السلبية الفردية: ممارسات متشددة أو متناقضة من بعض المتدينين قد تدفع إلى رفض الفكرة الدينية نفسها.

الخلط بين الدين وبعض الممارسات الاجتماعية: حيث تُحمَّل النصوص الدينية مسؤولية سلوكيات بشرية.

الضغوط الاقتصادية والاجتماعية: حالات الإحباط واللايقين قد تدفع بعض الأفراد إلى مراجعات فكرية جذرية.

تحرك المؤسسات الدينية

في المقابل، كثّفت المؤسسات الدينية الرسمية في مصر — وعلى رأسها الأزهر الشريف ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف — جهودها في مواجهة الظاهرة عبر برامج توعوية وحوارية موجهة للشباب، من بينها:

إطلاق مبادرات للرد على الشبهات الفكرية.

إنتاج محتوى رقمي مبسط يشرح القضايا العقدية.

تدريب الأئمة والدعاة على مهارات الحوار الفكري.

عقد ندوات ومنتديات نقاش مفتوحة في الجامعات ومراكز الشباب.

ويؤكد مسؤولون دينيون أن المواجهة لا تكون بالرفض أو التخويف فقط، بل بالحوار والعرض العلمي والمنطقي.

موقف الدولة والإطار القانوني

من الناحية القانونية، لا يوجد في مصر قانون يجرّم الإلحاد بوصفه اعتقادًا شخصيًا، لكن توجد مواد قانونية تجرّم ازدراء الأديان والإساءة للمقدسات وإثارة الفتن الدينية. وتتبنى الدولة خطابًا رسميًا يركز على دعم “تجديد الخطاب الديني” وتعزيز الوعي الفكري، مع الحفاظ على الهوية الدينية للمجتمع.

كما تدعم مؤسسات الدولة برامج تثقيفية ودعوية تهدف إلى تحصين الشباب فكريًا، مع التأكيد على أهمية الاستقرار المجتمعي.

بين المعالجة الفكرية والواقع الاجتماعي

خبراء علم الاجتماع يرون أن التعامل مع الظاهرة يتطلب مقاربة شاملة، لا تقتصر على البعد الديني فقط، بل تشمل التعليم، والثقافة، وجودة الخطاب العام، ومساحات الحوار الحر. كما يشددون على أن فهم الظاهرة بدقة يحتاج إلى دراسات ميدانية مستقلة بدل الاعتماد على الانطباعات أو الجدل الإعلامي.

وفي ظل التحولات الرقمية والثقافية المتسارعة، يبقى ملف الإيمان والشك جزءًا من نقاش فكري أوسع داخل المجتمع، يتطلب أدوات جديدة في الفهم والحوار والمعالجة.