كيف حوّل أطفال أيرلندا دفاترهم المدرسية إلى أرشيف أنقذ ذاكرة أمة كاملة؟
دبلن
بعد أكثر من سبعة قرون من الاستعمار البريطاني، وجدت أيرلندا نفسها عقب الاستقلال عام 1922 أمام تحدٍّ لا يقل خطورة عن معركة التحرر السياسي: كيف يمكن إنقاذ هوية ثقافية كادت تُمحى لغتها وحكاياتها وذاكرتها الشعبية؟
فعلى مدى 700 عام، تعرّضت اللغة الأيرلندية والتراث المحلي لمحاولات منهجية من الطمس، ولم يبقَ من الهوية الجمعية سوى ما تناقلته الأجيال شفهياً داخل البيوت، في قصص الجدات حول المواقد، وأساطير القرى، وأمثال الحياة اليومية. لكن مع تسارع الحداثة ورحيل كبار السن، أدركت الدولة الناشئة خطراً وجودياً جديداً: موت الرواة يعني موت الحكاية.
وفي خطوة وُصفت لاحقاً بأنها من أذكى مشاريع التوثيق الثقافي في القرن العشرين، أسست الحكومة الأيرلندية عام 1935 “لجنة الفلكلور الأيرلندية”، قبل أن تطلق عام 1937 مشروعاً غير مسبوق عُرف باسم “مجموعة المدارس” (The Schools’ Collection).
بدلاً من الاعتماد على باحثين وأكاديميين، لجأت الدولة إلى “جيش” غير تقليدي: الأطفال.
نحو 50 ألف تلميذ في أكثر من 5 آلاف مدرسة ابتدائية كُلّفوا بواجب مدرسي واحد: مقابلة الجدات والأجداد وكبار السن في القرى، وجمع الحكايات الشعبية، والأساطير، وطرق العلاج التقليدي بالأعشاب، وتاريخ الأماكن، وكتابتها كما تُروى على ألسنة أصحابها.
ولم يتوقف المشروع عند جمع القصص، بل اعتمد منهجية دقيقة في التوثيق، حيث طُلب من التلاميذ تسجيل بيانات الراوي، مثل اسمه وعمره ومهنته ومصدر معرفته بالقصة، ما منح الأرشيف قيمة أنثروبولوجية استثنائية. ولم يكن الهدف التحقق من صحة الروايات تاريخياً، بل توثيق ما كان الناس يؤمنون به ويعتبرونه جزءاً من ذاكرتهم الجمعية في ذلك الزمان والمكان.
اليوم، تُعد هذه الدفاتر، المكتوبة بخط أيدي الأطفال، نواة “المجموعة الوطنية للفلكلور” الخاضعة لإشراف كلية جامعة دبلن (UCD). وقد جرى رقمنتها بالكامل وإتاحتها مجاناً عبر منصة “Dúchas” الإلكترونية، التي تعني كلمة “التراث” باللغة الأيرلندية، لتصبح نموذجاً عالمياً في حفظ الذاكرة الشعبية.
ويرى باحثون في التراث أن التجربة الأيرلندية تحمل دلالات عميقة في زمن تشهد فيه مجتمعات كثيرة، لا سيما في العالم العربي، حروباً وهجرات وتحولات اجتماعية متسارعة، تهدد بضياع الذاكرة الشفوية مع رحيل حَمَلتها.
وتعيد القصة طرح سؤال ملحّ: هل يمكن إنقاذ ما تبقى من حكايات البيوت، وأمثال القرى، وتاريخ الناس العاديين، قبل أن تختفي؟ تجربة أيرلندا تجيب بأن الأمر لا يحتاج إلى مؤسسات عملاقة بقدر ما يحتاج إلى إرادة، ودفتر، وقلم… وربما طفل يسأل جدته سؤالاً واحداً في الوقت المناسب
