وجوه غاندي الخفية: العنصرية والسياسة والحياة الشخصية
الوكالة الكندية للأنباء
لطالما قُدِّم المهاتما غاندي في الخطاب العالمي بوصفه رمزًا للنضال السلمي وأيقونة للتحرر الوطني، ورجلًا ألهم حركات المقاومة المدنية في أنحاء مختلفة من العالم. غير أن هذا التصوير المثالي لا يزال محل جدل واسع بين باحثين ومؤرخين، يرون أن سيرة غاندي السياسية والفكرية تحمل وجوهًا أخرى أقل إشراقًا، كثيرًا ما غابت عن السردية السائدة.
غاندي والعقيدة الدينية
ينتمي غاندي إلى الديانة الهندوسية، وقد عبّر في كتاباته وممارساته عن تقديسه للبقر، وهو أمر يعدّ جزءًا من المعتقد الهندوسي التقليدي. ويستشهد منتقدوه بتصريحات منسوبة إليه تُظهر مبالغة شديدة في هذا التقديس، معتبرين أن ذلك يعكس رؤية دينية صدامية مع المعتقدات الأخرى داخل المجتمع الهندي المتعدد.
اتهامات بالعنصرية
أُعيد فتح الجدل حول فكر غاندي العنصري في السنوات الأخيرة، خاصة بعد مطالب أكاديمية بإزالة تماثيله من بعض الجامعات الإفريقية، من بينها جامعة غانا. واستندت هذه المطالب إلى نصوص كتبها غاندي خلال فترة إقامته في جنوب إفريقيا، استخدم فيها أوصافًا مهينة بحق الأفارقة السود، واصفًا إياهم بألفاظ اعتُبرت لاحقًا عنصرية وفق المعايير الحديثة.
ويرى باحثون أن هذه الكتابات تتناقض مع الصورة التي رُوِّجت له كداعية مساواة وعدالة إنسانية.
الجدل حول حياته الشخصية
لم تخلُ حياة غاندي الخاصة من انتقادات حادة، حيث أشار عدد من المؤرخين إلى علاقات شخصية وُصفت بـ“المثيرة للجدل”، إضافة إلى انفصاله العملي عن زوجته لفترات طويلة، وإقامته مع أصدقاء مقربين في جنوب إفريقيا، وهي تفاصيل استُخدمت لاحقًا من قبل خصومه لتشويه صورته الأخلاقية.
غاندي والمسلمون في الهند
يُعد موقف غاندي من المسلمين أحد أكثر الملفات إثارة للخلاف. فبحسب عدد من الكتاب، من بينهم الباحث أنور الجندي، فإن غاندي لعب دورًا سياسيًا أسهم – بشكل مباشر أو غير مباشر – في إضعاف الحراك الإسلامي المطالب بالاستقلال الحقيقي عن بريطانيا في عشرينيات القرن الماضي.
وتشير هذه الروايات إلى أن المسلمين كانوا القوة الأكثر تنظيمًا وتمويلًا في حركة الاستقلال، خاصة بعد إلغاء الخلافة العثمانية، قبل أن يتم احتواء هذا الحراك عبر تحالفات سياسية قادها حزب المؤتمر بزعامة غاندي، انتهت بإقصاء القيادات الإسلامية واعتقالها من قبل السلطات البريطانية.
الاستقلال… لمن كان؟
بحسب هذا الطرح النقدي، فإن استقلال الهند عام 1947 لم يكن ثمرة نضال وطني جامع بقدر ما كان نتيجة ترتيب بريطاني سلّم السلطة للنخبة الهندوسية، بعد التأكد من قدرتها على الحكم، في ظل تهميش واضح للمسلمين، وهو ما مهّد لاحقًا للتقسيم الدموي بين الهند وباكستان.
إرث متنازع عليه
يرى منتقدو غاندي أن دعوته إلى “إحياء الروح الهندية” لم تكن سوى مشروع ثقافي استبعد الإرث الإسلامي الذي استمر في شبه القارة الهندية لأكثر من أربعة عشر قرنًا، وأسهم في تغذية النزعات القومية والدينية التي لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
بين من يراه نبيًّا للسلام ومن يعتبره سياسيًا براغماتيًا خدم مشروعًا طائفيًا، يبقى غاندي شخصية تاريخية معقدة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة. وإعادة قراءة سيرته بعيدًا عن التقديس أو الشيطنة تظل ضرورة لفهم تاريخ الهند الحديث بكل تناقضاته.
