القيادة كفضاء حواري: من باكستان إلى العالم تجربة عابرة للثقافات والمعارف
بقلم د. ماريز يونس
رئيس الشبكة الدولية لدراسات المجتمعات العربية
في سياق عالمي يتسم بتصاعد الأزمات الجيوسياسية، وتحوّل العلاقة بالمؤسسات، وتزايد تعقيد الهويات، تتقدّم أسئلة القيادة والاستقرار كمدخل أساسي لفهم التحولات العميقة التي تشهدها المجتمعات المعاصرة. تتطور القيادة وتترسّخ شرعيتها داخل فضاءات الحوار، ومن خلال التفاعل بين فاعلين متعددي الخلفيات والتخصصات والسياقات والخبرات الميدانية والإنسانية. وتُظهر الأدبيات المعاصرة في القيادة هذا التحول، حيث تتأسس الشرعية على القدرة على التواصل، وتعزيز الحوار العقلاني، وتوسيع التفكير الجماعي ضمن فضاء مفتوح يعترف بالتنوع والتعدد.
في هذا الإطار، شكلت الورشة الدولية السادسة حول القيادة والاستقرار، التي نظمها الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتحليل (ISRAA) بالتعاون مع جامعة الدفاع الوطني في باكستان (NDU)، نموذجًا تجريبيًا مكثفًا لما يمكن تسميته “القيادة عبر الحوار”. جمعت هذه الورشة قرابة مئة مشارك من نحو خمسين دولة، من خلفيات أكاديمية وسياسية ومهنية وثقافية متعددة، داخل فضاء واحد أتاح اختبار شكل جديد من القيادة قائم على التشاركية، وتعدد الفاعلين، وبناء الاعتراف المتبادل.
أتاحت هذه التجربة اختبار التحول في الممارسة اليومية للحوار، وفي الاعتراف المتكافئ بالخبرات، وفي الانتقال الواعي من الصوت الفردي إلى منطق التفكير الجماعي. ويقدّم هذا المقال قراءة سوسيولوجية لتجربتي في هذه الورشة العالمية حول القيادة والاستقرار، باعتبارها مختبرًا مصغّرًا لتحولات أوسع تطال أشكال الحوكمة التشاركية، ومعاني القيادة في زمن التعقيد العالمي.
القيادة: من الهرمية إلى الحوار المتكافئ
تُظهر النماذج المعاصرة للقيادة انتقالًا واضحًا من الهرمية إلى فهم جديد يقوم على القدرة في تسيير الفضاء الحواري وتعزيز الفعل التواصلي. في هذا النموذج، تتجلى القيادة عبر توسيع مساحة التعبير، وإدارة الاختلاف باعتباره موردًا معرفيًا، وبناء الثقة كقاعدة لأي فعل جماعي. بهذا المعنى، تصبح القيادة عملية بنيوية تقوم على تنسيق الأدوار، وإتاحة المساحات للمشاركة المتكافئة، بما يسمح للأفكار والتجارب بأن تتحول إلى معرفة مشتركة.
في تجربتي داخل هذه الورشة الدولية، اختبرت هذا المناخ الأفقي للقيادة منذ اللحظة الأولى لدخول الورشة. بدأ اللقاء خارج القاعة حين تسلّم المشاركون بطاقات الجلوس واختار كل واحد مكانه بحرية. حمل كل مشارك اسمه بيده، ودخل فضاءً مفتوحًا يقوم على الحضور المتكافئ. شكّلت هذه البداية الرمزية إعلانًا عمليًا عن فلسفة اللقاء: قيادة تنطلق من المساواة، وتتأسس على العلاقة، وتترسّخ عبر الاعتراف المتبادل. في تلك اللحظة، أصبح الاسم نقطة انطلاق لعلاقة، وتحولت القاعة إلى شبكة حيّة تنتظر أن تُملأ بالمضامين والمعاني. دخل كل مشارك وهو يحمل تجربة قيادية مختلفة، ومسارًا مهنيًا خاصًا، وخلفية ثقافية وسياسية متمايزة. التقت هذه المسارات داخل فضاء واحد، وتحول التنوع إلى طاقة حوار، وأصبح الاختلاف مصدر إثراء. هكذا بدأت القيادة تتكوّن كعملية جماعية تتحرك داخل شبكة من العلاقات، ينتقل فيها المعنى بين التجارب، وتتقاطع الأفكار، ويتبلور الفهم عبر تفاعل مستمر يصنع أرضية مشتركة للتفكير والعمل.
حوار الجغرافيا واتساع أفق اللقاء
إن اجتماع مشاركين من خمسين دولة يفتح فضاءً واسعًا لـ "حوار الجغرافيا". يحمل كل مشارك معه تاريخ بلده السياسي، وتمثلاته للأمن، وتجربته مع الاستقرار والتحول، وتدخل هذه الذاكرة المتعددة في تفاعل حيّ داخل مساحة مشتركة. في هذا اللقاء، التقت السياقات المختلفة ضمن أفق إنساني ومعرفي أوسع، حيث أصبح التعارف نقطة الانطلاق، وتحولت الجغرافيا إلى مجال لتبادل النماذج والخبرات، وإلى مورد لفهم التحديات المشتركة والتعقيدات العالمية من زوايا متعددة. تجلّت هذه الروحية داخل القاعة كممارسة يومية. تنوّعت الرؤى السياسية، وتقاطعت التجارب أحيانًا، واختلفت أحيانًا أخرى، وفتح ذلك بابًا واسعًا لفضول معرفي متبادل. احتضن الحوار الاختلاف داخل إطار يسمح بالتفاعل الخلّاق، فأصبح التنوع مدخلًا للفهم، وتحولت المعارف القادمة من سياقات متباعدة إلى جسور تقرّب المسافات وتكشف عن التحديات المشتركة.
من منظور سوسيولوجي، يتيح هذا النمط من اللقاء إعادة تشكيل العلاقات بين الشعوب داخل فضاء أفقي يقوم على الاعتراف المتبادل. حيث يسمح للمشاركين بتشكيل وعي تدريجي بإمكانية إقامة حوار بناء رغم اختلاف الانتماءات. في هذا السياق، أصبحت الجغرافيا طاقة معرفية، وأصبح الحوار أداة لنسج روابط جديدة، وتحوّل اللقاء إلى مساحة تُبنى فيها الثقة، ويتكوّن فيها فهم أعمق للعالم عبر مشاركة المقاربات والخبرات والرؤى.
حوار المعارف وتوسيع دوائر الفاعلين
تميّزت الورشة بجمع أكاديميين وباحثين وممثلين رسميين وصنّاع قرار وإعلاميين وصحفيين وناشطين وممثلي مجتمع مدني ورواد أعمال داخل فضاء واحد، ما أتاح تفاعلًا حيًّا بين التنظير والممارسة، وأطلق دينامية جديدة لإنتاج المعرفة تقوم على تعدد الفاعلين وتكامل الخبرات. في هذا السياق، برزت المعرفة كعملية مشتركة تتكوّن داخل السياقات التطبيقية، وتتبلور وتتطور في تفاعلها المستمر بين التحليل الأكاديمي والتجربة الميدانية، وتمنح قيمة متكافئة للمعرفة النظرية وتلك المتجذرة في الواقع.انعكس ذلك بوضوح في طبيعة النقاشات، حيث اتسعت الجلسات لتشمل قضايا متنوعة شملت تحولات النظام العالمي والديناميات الإقليمية في ظل صراع القوى الدولية، والتحولات التكنولوجية وانعكاساتها، وفرص الاستقرار، وصناعة الإدراك في زمن ما بعد الحقيقة، والفن والتراث الثقافي، إضافة إلى استشراف المستقبل والاتجاهات العالمية القادمة.
أتاح هذا التنوع للقضايا، فهم التقاطع بين الظواهر العالمية في تشكيل الوعي الجمعي ضمن منظومة واحدة. وفي مجموعات العمل الجماعي، اتخذ التفكير المشترك شكله العملي. ناقش المشاركون المحاور المطروحة ضمن فرق صغيرة، وأسهم كل مشارك بإضافة زاوية نظر جديدة، وتحولت الخلاصات إلى معرفة جماعية مفتوحة للأسئلة والنقاش.
الحوار من القاعة إلى مؤسسة الرئاسة
أتى لقاء رئيس الجمهورية الباكستانية ليضيف بعدًا جديدًا لتجربة القيادة التي كنا نعيشها يومًا بعد يوم. جرت العادة في اللقاءات الرسمية أن يكون الرئيس هو محور المشهد، وأن يبقى التواصل محكومًا بإطار بروتوكولي يحدد زمن الكلام واتجاهه. في هذه التجربة، اتخذ اللقاء مسارًا مختلفًا منذ لحظاته الأولى، إذ بدأ باستقبال ودود، ثم انفتح بسرعة على مساحة حوار واسعة امتدت لأكثر من ساعة، شارك فيها الحضور بأسئلتهم ومداخلاتهم، داخل مناخ اتسم بالإصغاء والتفاعل المباشر. تحوّل القصر إلى فضاء تواصلي يتكامل مع روح الورشة. وانتقل النقاش من بين المشاركين إلى أعلى مستوى سياسي، محافظًا على الإيقاع نفسه الذي طبع الجلسات السابقة: تبادل أفكار، أسئلة مفتوحة، ورغبة مشتركة في الفهم. شارك الرئيس في الحوار، وتفاعل مع المداخلات، وأجاب عن الأسئلة بروح قريبة من جلسات العمل الجماعي. هذا الأسلوب في إدارة اللقاء منح القيادة بعدًا إنسانيًا واضحًا، وأبرز قيمة الإصغاء كفعل سياسي، وعمّق معنى الشرعية كعملية تتغذى من المشاركة والحوار. فالقيادة بهذا المعنى، يمكن أن تجد طريقها إلى مؤسسات القرار حين تتوافر إرادة الحوار. هذا الجسر بين المعرفة والسياسة أظهر قدرة اللقاء الإنساني على فتح مساحات جديدة داخل دوائر الحكم، وأكد أن التفكير الجماعي يستطيع أن يتردد صداه في أعلى المستويات حين يُبنى على الانفتاح والاعتراف المتبادل.
الزيارات الثقافية وأنسنة الحوار المعرفي
شكّلت الزيارات الثقافية محورًا أساسيًا في تجربة ورشة القيادة والاستقرار، وأتت كتوجّه واعٍ من المنظمين يضع اللقاء الإنساني في قلب المسار المعرفي. عشت للمرة الأولى نموذجًا يتكامل فيه زمن النقاش الأكاديمي مع زمن المعايشة اليومية، حيث كان الانتقال المستمر بين قاعة الجلسات وفضاء المدينة جزءًا من هندسة التجربة نفسها. تنقّلنا معًا في الحافلة ذاتها، زرنا الجامعات والمتاحف والمراكز الثقافية، سرنا في الأسواق الشعبية، تبادلنا الأحاديث العفوية، شاركنا الطعام، تعرّفنا على الفن والتراث الباكستاني، وقرأنا التاريخ في المعالم والوجوه والأصوات. تحوّلت هذه الرحلات إلى امتداد حيّ للحوار المعرفي، دخلت فيها الموسيقى والذاكرة والتراث إلى التفكير والنقاش، وأصبح الزمن المشترك مادة لبناء الثقة. أخذ اللقاء الإنساني المساحة الزمنية نفسها التي أخذتها الجلسات العلمية، ليصبح البرنامج وحدة متكاملة يتحرك فيها الفكر بين التحليل والعيش المشترك، ويتعمّق فيها الفهم عبر التجربة المباشرة.
في هذا الفضاء الإنساني المتحرك، تشكّل بيننا، كمشاركين قادمين من سياقات متباعدة، شعور جماعي بالانتماء إلى عالم واحد يحمل تحديات وطموحات ومسؤولية مشتركة تجاه المستقبل. ومن داخل هذا التفاعل تبلور فهم مشترك للاستقرار باعتباره مسارًا ينمو عبر أنسنة العلاقات، وتحويل القرب الإنساني إلى قاعدة للعمل الجماعي.
الشرق ليس شرقًا: جهل المتجاورين
ما جذبني في باكستان كان تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تلتقطها الصور السريعة، من طريقة اللباس التي يحمل فيها الشخص الواحد طبقات متعددة من الانتماء. وجدت مجتمعًا يتحرك بسلاسة بين الرسمي واليومي، بين الجامعة والمدينة، بين الموضة العالمية واللباس المحلي، حيث تعبر النساء بين أساليب متعددة بثقة، وينتقل الرجال من السترة الحديثة إلى الثوب التراثي بفخر واضح. حتى الفنون الشعبية والرقصات والموسيقى كشفت علاقة خاصة بالزمن والمكان، ترى في التراث مورد حياة، وتعيد إنتاج الهوية من داخل التغيّر. هنا بدا “الشرق الأبعد” عالمًا غنيًا بإيقاعه وبذاكرته الجماعية وبحضور الفولكلور في الحياة اليومية.
دخلت هذا الفضاء محمّلة بتصورات مسبقة شكلتها الجغرافيا، والإعلام، وسرديات الحروب، ففتح اللقاء الثقافي أمامي إمكانية إعادة ترتيب هذه الصور. فبدت لي ثقافتنا في بعض أوجهها أكثر تأثرًا بالمتوسط وأقرب إلى أوروبا بحكم التاريخ البحري والانفتاح التجاري. بينما يحمل هذا الشرق الآخر ثقافة مختلفة في العلاقة بالجسد ومكانة الذاكرة، وفي طرق الاحتفاء بالذات الجماعية. الاختلاف ظهر كمساحة معرفة لا كمسافة، وكفرصة لطرح أسئلة جديدة حول معنى القرب والبعد، وحول وهم التشابه الذي نبنيه أحيانًا على أساس الدين أو الجغرافيا وحدهما. في هذا التفاعل الإنساني المباشر، اتسعت الرؤية خارج خرائط السياسة، وتحوّل القرب الجغرافي إلى اكتشاف ثقافي، وأصبح "جهل المتجاورين" دعوة مفتوحة للتعارف العميق. حين نقترب من حياة الناس وثقافتهم وطعامهم وموسيقاهم، ومن طريقة احتفائهم بأنفسهم، يظهر عالم أكثر اختلافًا وثراءً، ويصبح الحوار ممارسة معرفية، ومساحة لرؤية الإنسان قبل الهوية والتصنيفات الجاهزة، تسمح ببناء فهم مشترك ينطلق من العيش مع الآخر لا من الحديث عنه.
خاتمة
غادرت باكستان بعد ثمانية أيام مكثفة، وأنا أتساءل كأكاديمية وباحثة عن قيمة اللقاءات العلمية إذا بقيت محصورة في اللغة النظرية، وعن أثر أي نشاط إذا لم يتقدمه اللقاء الإنساني الذي يمنح المعرفة روحها ويمنح السياسة معناها. فكم يحتاج هذا العالم الذي تمزقه الحروب وتثقله الانقسامات، إلى مساحات يلتقي فيها المختلفون دون خوف؟ ربما كنت واحدة من مشاركين قدموا من بلدان خرجت للتو من حروب قاسية ومن تجارب جماعية مثقلة بالذاكرة والخسارة، وأحمل في داخلي تاريخًا شخصيًا ووطنيًا يجعلني أرى العالم من زاوية حساسة تجاه القوة والسياسة والانقسام. وقد جلس زملاء معي حول الطاولة نفسها من دول تحمل سياسات مختلفة ومواقف متباعدة وخيارات متعارضة. وكان من السهل أن يُختصر كل واحد منا في جنسيته أو في موقع بلده على خريطة الصراع. لكن اللقاء الإنساني فتح أفقًا آخر. أتاح لي أن أميّز بين السياسات والشعوب وبين الحكومات والبشر وبين القرارات الرسمية والقلوب التي تحمل قصصها الخاصة.
كانت تجربة وسعتت معنى الفضاء المشترك، فلم نلتقِ كممثلين لأنظمة، إنما كبشر فاعلين وباحثين وأكاديميين تجمعهم إنسانيتهم ووعي مشترك بمسؤوليتنا تجاه حماية مساحة الحوار وتمكين كل صوت من العبور فوق الحدود السياسية. وازدادت قناعتي خلال هذه الأيام، بأن الاستقرار يحتاج قادة يتحاورون ويصغون ويتعاملون مع الاختلاف بوعي، ويفكرون خارج اصطفافات بلدانهم، ويبنون جسورًا تتسع للاختلاف والاعتراف المتبادل، وتُبقي الحوار مستمرًا.
