الدراما المصرية في رمضان 2026… بين سطوة الميزانية وسؤال القيمة


الوكالة الكندية للأنباء 

مع حلول شهر رمضان 2026، عادت الشاشة العربية إلى ذروة نشاطها الموسمي، حيث تتنافس عشرات الأعمال على جذب ملايين المشاهدين في مصر والخليج وبقية العالم العربي. وكالعادة، تتصدر الدراما المصرية المشهد من حيث عدد الإنتاجات وحجم الإنفاق، في وقت تواصل فيه الدراما الخليجية ترسيخ حضورها المتصاعد، معتمدة على طرح اجتماعي أكثر هدوءًا وتركيزًا على البعد القيمي. وبين المدرستين، تتشكل ملامح مشهد درامي عربي يعيد طرح سؤال قديم متجدد: هل تكفي الكلفة العالية لصناعة دراما مؤثرة؟

هيمنة مصرية… أرقام كبيرة وحضور طاغٍ

لا تزال مصر تحتفظ بموقعها التاريخي كعاصمة للدراما العربية. فبقيادة كيانات إنتاجية كبرى مثل الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، شهد موسم 2026 ضخ ميزانيات كبيرة في عدد من الأعمال، مع اعتماد واضح على نجوم الصف الأول، وتقنيات تصوير حديثة، وتسويق رقمي مكثف عبر المنصات.

تنوّعت الموضوعات بين الدراما الشعبية وأعمال الأكشن والجريمة والصراعات العائلية، مع حضور لافت للأعمال ذات الإيقاع السريع والحبكات المشوّقة. غير أن هذا الزخم الإنتاجي لم يمنع تصاعد انتقادات تتعلق بتكرار الأفكار، والمبالغة في مشاهد العنف، وتراجع الاهتمام بالقضايا الفكرية أو الاجتماعية العميقة.

يرى بعض النقاد أن جزءًا من الدراما المصرية بات رهينًا لمعادلة “الترند” ونسب المشاهدة، ما انعكس على طبيعة النصوص، التي تميل أحيانًا إلى الإثارة السريعة على حساب البناء الدرامي المتماسك. وفي ظل المنافسة الشرسة، تحوّل السباق الرمضاني إلى معركة أرقام، تتصدر فيها الإعلانات ومعدلات التفاعل، أكثر مما تتصدرها جودة الفكرة أو أثرها الثقافي.

الخليج… تصاعد تدريجي ورهان على المحتوى

في المقابل، تواصل الدراما الخليجية تثبيت أقدامها بثبات. فبدعم من مؤسسات إعلامية مؤثرة مثل مجموعة MBC، توسعت رقعة الإنتاج، لا سيما في السعودية والكويت والإمارات، مع توجه واضح نحو تطوير النصوص والاهتمام بالمعالجة الاجتماعية.

تتميّز الأعمال الخليجية هذا الموسم بطرح قضايا الأسرة، والتحولات المجتمعية، والصراع بين الحداثة والتقاليد، إلى جانب معالجة موضوعات الهوية والانتماء بأسلوب أكثر هدوءًا وأقل صخبًا بصريًا. ورغم أن الميزانيات غالبًا أقل من نظيرتها المصرية، فإن كثيرًا من هذه الأعمال يحظى بإشادة نقدية بسبب وضوح رسالته وقربه من واقع مجتمعه.

ويرى متابعون أن الدراما الخليجية استفادت من التحولات الثقافية والاقتصادية في المنطقة، فاستثمرت في صناعة محتوى يعكس التغيير الاجتماعي، مع الحفاظ على مساحة واضحة للقيم الأسرية والدينية، ما عزز ثقة جمهورها المحلي ووسع انتشارها عربيًا.

مقارنة في المنهج لا في التفوق

المقارنة بين الدراما المصرية والخليجية لا تعني بالضرورة تفوق طرف على آخر، بل تكشف اختلافًا في الأولويات. ففي حين تراهن مصر على كثافة الإنتاج ونجومية الأبطال، تراهن الدراما الخليجية على خصوصية الموضوع وعمق الطرح.

الدراما المصرية تملك خبرة طويلة وبنية صناعية متكاملة، لكنها تواجه تحدي تجديد خطابها واستعادة التوازن بين الترفيه والرسالة. أما الدراما الخليجية، فرغم صعودها اللافت، فهي مطالبة بتوسيع تنوعها الموضوعي وتعزيز حضورها خارج الإطار الاجتماعي التقليدي.

الدراما العربية إلى أين؟

رمضان 2026 يعكس مرحلة انتقالية في المشهد الدرامي العربي. فالجمهور بات أكثر وعيًا، والمنصات الرقمية فتحت المجال لمقارنات مباشرة بين الأعمال، ولم يعد الإنتاج الضخم وحده كافيًا لضمان التأثير.

تبقى المعادلة الحقيقية في الجمع بين جودة النص، وصدق الطرح، وكفاءة التنفيذ. فالقيمة لا تُقاس بحجم الميزانية فقط، بل بقدرة العمل على ملامسة وجدان المشاهد وطرح أسئلة تمس واقعه.

وفي النهاية، ستظل الدراما — في مصر والخليج — مرآةً للمجتمع، تعكس تحوّلاته وتناقضاته. وبين سطوة الكلفة وسؤال القيمة، يبقى الرهان الأكبر على عملٍ يجمع بين المتعة والمعنى، ويثبت أن الاستثمار الحقيقي هو في الفكرة قبل الصورة.