رمضان في السعودية.. مشهد إيماني يتجدد بين قدسية المكان وروح المجتمع



خاص: الوكالة الكندية للانباء 

يأتي شهر رمضان في المملكة العربية السعودية محمّلًا بخصوصية استثنائية، إذ تلتقي قدسية الزمان بقدسية المكان، في بلد يحتضن الحرمين الشريفين ويستقبل ملايين المسلمين من شتى بقاع الأرض. ومع إعلان ثبوت رؤية الهلال، تدخل المملكة في أجواء مختلفة كليًا، تتبدل فيها أنماط الحياة، وتتقدم القيم الروحية والاجتماعية إلى واجهة المشهد اليومي.

حراك مبكر واستعدادات واسعة

قبل حلول الشهر بأيام، تبدأ مظاهر الاستعداد في الظهور بوضوح. تشهد الأسواق حركة مكثفة، ويزداد الإقبال على السلع الأساسية، خاصة التمور التي تُعد مكوّنًا رئيسيًا على مائدة الإفطار اقتداءً بالسنة النبوية. كما ترتفع معدلات شراء المواد الغذائية المرتبطة بوجبات الإفطار والسحور، في ظل استعداد الأسر لاستقبال الشهر بأجوائه الخاصة.

ولا يقتصر الاستعداد على الجانب الاستهلاكي فقط، بل تمتد التحضيرات إلى المؤسسات الخيرية التي تكثف برامجها الرمضانية، من خلال تجهيز السلال الغذائية، وتنظيم حملات إفطار الصائمين، وإطلاق المبادرات التطوعية التي يشارك فيها آلاف الشباب.

إيقاع يومي مختلف

مع بداية رمضان، يتغير إيقاع الحياة اليومية. تُخفض ساعات العمل في القطاعات المختلفة مراعاةً لطبيعة الصيام، فيما تتحول المدن إلى مشهد هادئ نهارًا ونابض بالحياة ليلًا. بعد أذان المغرب، تمتلئ الطرقات بالمتجهين إلى منازلهم أو إلى المساجد، ثم تنشط الحركة الاجتماعية عقب صلاة التراويح، حيث تمتد اللقاءات العائلية والمجالس الرمضانية حتى ساعات متأخرة من الليل.

وتحرص الجهات المعنية على تنظيم الحركة المرورية، خاصة في أوقات الذروة قبيل الإفطار، لضمان انسيابية التنقل وسلامة الصائمين.



الحرمين الشريفين.. قلب المشهد الرمضاني

يبقى المسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة محور الأجواء الرمضانية في المملكة. يتوافد المعتمرون والزوار بأعداد كبيرة لأداء الصلوات والعمرة، وسط منظومة تنظيمية متكاملة تشمل خدمات الإرشاد، والرعاية الصحية، وإدارة الحشود.

كما تتكثف حلقات تلاوة القرآن والدروس العلمية في مختلف مناطق المملكة، فيما تشهد العشر الأواخر ذروة الإقبال على الاعتكاف والتهجد، طلبًا لليلة القدر، في أجواء يغلب عليها السكون والخشوع.

موائد الإفطار وروح التكافل

تُعد موائد الإفطار الجماعي من أبرز صور التكافل في السعودية خلال رمضان. تنتشر الموائد في محيط المساجد والساحات العامة، ويشارك في تنظيمها متطوعون وجهات خيرية، لتقديم وجبات يومية للصائمين من مختلف الجنسيات. ويعكس هذا المشهد قيم الكرم والتراحم التي يتسم بها المجتمع السعودي.

إلى جانب ذلك، تنشط حملات توزيع السلال الغذائية ودعم الأسر المحتاجة، فيما يحرص كثير من الأفراد ورجال الأعمال على إخراج الزكاة والصدقات خلال هذا الشهر.

المائدة السعودية.. تقاليد تتجدد

تحتفظ المائدة الرمضانية في السعودية بخصوصيتها، إذ تتصدرها التمور والقهوة العربية، إلى جانب أطباق تقليدية مثل السمبوسة والجريش والقرصان، وحلويات شهيرة كالكنافة واللقيمات. وتحرص الأسر على الاجتماع اليومي حول مائدة واحدة، في مشهد يعزز الروابط العائلية ويعيد إحياء العادات الاجتماعية الأصيلة.



حضور ثقافي وإعلامي

رمضان في السعودية ليس فقط شهر عبادة، بل أيضًا موسم ثقافي واجتماعي. المجالس الرمضانية تشكل مساحة للحوار والتواصل، فيما تقدم القنوات التلفزيونية والإذاعات باقة متنوعة من البرامج الدينية والاجتماعية والترفيهية التي تتماشى مع روح الشهر.

العشر الأواخر واستعدادات العيد

مع دخول العشر الأواخر، تتصاعد وتيرة العبادة، ويزداد الإقبال على ختم القرآن والدعاء. وفي الوقت ذاته، تبدأ مظاهر الاستعداد لعيد الفطر في الظهور، من خلال شراء الملابس الجديدة وتحضير الحلويات وتنظيم الزيارات العائلية.

في المحصلة، يمثل رمضان في المملكة العربية السعودية تجربة متكاملة تتداخل فيها الروحانية مع العمل الخيري والتنظيم المجتمعي، في صورة تعكس عمق الانتماء الديني والتماسك الاجتماعي. وبين أجواء الحرمين الشريفين ودفء المجالس العائلية، يظل رمضان في السعودية حالة إيمانية وإنسانية خاصة، تترك أثرها في نفوس من يعيشها أو يقصدها خلال هذا الشهر المبارك.