تحليل ديموغرافي ولغوي في السويد: دراسة حول بنية السكان، إتقان اللغة، وتحديات الاندماج
ستوكهولم
د.محمود الدبعي
وفقاً للإحصاءات الرسمية، يبلغ إجمالي عدد المواطنين من أصول أجنبية (المولودين خارج السويد) وأبنائهم وأحفادهم حوالي 3,583,638 نسمة، أي ما نسبته 33.8% من إجمالي سكان السويد البالغ 10,605,500 نسمة (نهاية عام 2025). تهدف هذه الورقة إلى تسليط الضوء على العلاقة بين التركيبة الديموغرافية للسويد ومستوى إتقان اللغة السويدية بين السكان. نستهل الدراسة بالإشارة إلى عدم وجود إحصاءات رسمية تقيس إتقان اللغة بشكل مباشر، لكن من خلال تحليل بيانات هيئة الإحصاء السويدية (SCB) حول المولودين خارج السويد وأبنائهم، ودمجها مع نتائج الأبحاث المعاصرة في مجال اكتساب اللغة الثانية، يمكننا تكوين صورة غير مباشرة لكنها شاملة. نركز بشكل خاص على تحديات الاندماج لدى الجيل الأكبر سناً، والصعوبات المزدوجة التي تواجه الأميين، والتباعد اللغوي كلغة أم.
١. مقدمة واعتبارات منهجية
إن السؤال حول عدد الأشخاص في السويد الذين لا يتحدثون السويدية، أو لديهم معرفة غير كافية بها، هو أكثر تعقيداً مما يبدو للوهلة الأولى. يتمثل التحدي الأساسي في أن الإحصاءات الرسمية الوطنية لا تقيس إتقان اللغة بشكل مباشر . فبينما تجمع هيئة الإحصاء السويدية (SCB) بيانات عن متغيرات ديموغرافية مثل بلد الميلاد والجنسية والعمر، فإن إتقان اللغة ليس متغيراً مدرجاً في إحصاءات السكان الجارية .
لذلك، يتطلب الاقتراب من هذه المسألة نهجاً متعدد الأبعاد يقوم على:
١. عرض القاعدة الديموغرافية للسكان المولودين خارج السويد وأحفادهم.
٢. استعراض الأبحاث حول العوامل المؤثرة في اكتساب اللغة الثانية، مثل سن الوصول، الخلفية التعليمية، والتباعد اللغوي.
٣. تحليل مؤشرات غير مباشرة مثل نتائج التعليم في مادة السويدية للمهاجرين (SFI) والاندماج في سوق العمل.
٢. لمحة ديموغرافية: أجيال الهجرة
لفهم الوضع اللغوي، من الضروري التمييز بين الأجيال المختلفة ذات الخلفية الأجنبية. تُظهر إحصاءات SCB لعام ٢٠٢٥ والأعوام السابقة الصورة التالية:
· الجيل الأول (المولودون خارج السويد): في عام ٢٠٢٥، كان هناك حوالي ٢,٢١٠,٦٣٨ شخصاً مولوداً خارج السويد، أي ما يشكل أكثر من ٢٠٪ من السكان . هذه المجموعة ليست متجانسة؛ فهي تظهر بنية عمرية ذات نسبة أعلى في سن العمل، وتأتي من مجموعة متنوعة من البلدان ولأسباب هجرة مختلفة .
· الجيل الثاني (المولودون في السويد لأبوين مولودين خارج السويد): يبلغ عدد هذه المجموعة حوالي ٦٣٢,٠٠٠ نسمة . بالنسبة لهذه المجموعة، التي نشأت وتلقت تعليمها في السويد، فإن السويدية هي عادةً لغتهم المسيطرة.
· مجموعة الخلفية المختلطة (المولودون في السويد لأحد الوالدين مولود في السويد والآخر مولود خارجها): هذه المجموعة المتنامية كبيرة وتضم حوالي ٧٤٠,٠٠٠ نسمة .
يظهر التحليل أن المجموعة التي يمكن أن تواجه تحديات لغوية هي بشكل أساسي الجيل الأول من المهاجرين، بينما يتقن أبناؤهم وأحفادهم اللغة السويدية بشكل كامل.
٣. العوامل المؤثرة في اكتساب السويدية كلغة ثانية لدى البالغين
تشير الأبحاث في مجال اكتساب اللغة الثانية إلى عدد من العوامل الحاسمة التي تفسر سبب صعوبة تعلم اللغة السويدية لدى بعض المجموعات، وهنا نصل إلى جوهر ملاحظة المستخدم حول الجيل الأكبر سناً.
٣.١ الفترة الحرجة وأهمية العمر
على الرغم من أن البالغين يمكنهم تعلم لغات جديدة، تظهر الأبحاث أن أولئك الذين يبدأون التعلم بعد البلوغ نادراً ما يصلون إلى نفس المستوى الذي يصل إليه الأطفال، خاصة فيما يتعلق بالنطق والحدس النحوي . بعد سن معينة، يتلاشى تأثير العمر، وتصبح العوامل الاجتماعية والنفسية أكثر أهمية، لكن التحدي الأولي يظل قائماً .
٣.٢ الخلفية التعليمية ومحو الأمية: العبء المزدوج للأمية
العامل الأكثر حسماً، والذي غالباً ما يُغفل في النقاش العام، هو معرفة الفرد بالقراءة والكتابة بلغته الأم. جزء كبير من البالغين المهاجرين إلى السويد لديهم خلفية تعليمية قصيرة وضعف في مهارات القراءة والكتابة . وفقاً لدراسة PIAAC عام ٢٠١٢، كان لدى ٣٥٪ من المولودين خارج السويد مهارات غير كافية في القراءة والعد .
بالنسبة للشخص الأمي، أو ذو مهارات قرائية منخفضة للغاية، فإن تعلم اللغة السويدية يمثل تحدياً مزدوجاً: عليه في نفس الوقت تطوير مهارات القراءة والكتابة العامة وتطبيقها على لغة جديدة. تظهر الأبحاث أن معرفة القراءة والكتابة تؤثر على الوظائف المعرفية مثل الذاكرة العاملة والإدراك، مما يجعل وتيرة التعلم أبطأ لهذه المجموعة . ينعكس هذا بوضوح في إحصاءات تعليم السويدية للمهاجرين (SFI)، حيث يستغرق الطلاب في مسار الدراسة ١ (أولئك الذين لديهم أقصر خلفية دراسية) وقتاً طويلاً لإنهاء دوراتهم. في عام ٢٠٢٢، استغرق إكمال دورة في هذا المسار ما متوسطه بين ٤٤ و ٥٧ أسبوعاً . علاوة على ذلك، فإن المستوى النهائي بعد تعليم SFI بأكمله يعادل مستوى أساسياً فقط (A2)، مما يعني القدرة على التواصل في سياقات بسيطة وروتينية .
٣.٣ التباعد اللغوي والعزل السكاني
تأتي الهجرة إلى السويد منذ التسعينيات بشكل متزايد من دول خارج أوروبا . وهذا يعني وجود تباعد لغوي كبير - أي مسافة نمطية كبيرة - بين اللغة الأم (مثل العربية، الصومالية، الدارية) والسويدية، مما يزيد من صعوبة التعلم . ويتفاقم هذا التحدي بسبب العزل السكني، الذي يحد من الوصول إلى سياقات ذات معنى تُستخدم فيها السويدية في الحياة اليومية . تظهر الأبحاث أن الوافدين الجدد غالباً ما يفتقرون إلى شركاء محادثة على قدم المساواة، مما قد يؤدي إلى لوم الذات وانخفاض الدافع، على الرغم من الرغبة القوية في التعلم .
٤. الآثار المجتمعية والسياسات العامة
تؤدي التحديات اللغوية، خاصة في مجموعة كبار السن وذوي التعليم المحدود، إلى عواقب مجتمعية ملموسة. تشكل مهارات اللغة غير الكافية أحد أهم العوائق أمام الاندماج في سوق العمل . على سبيل المثال، اقترحت الحكومة متطلبات لغوية للموظفين في رعاية المسنين لضمان الجودة والسلامة للمسنين، وهو اعتراف بأن اللغة أساسية في عمل الرعاية والتمريض .
ليس من الممكن تحديد رقم دقيق لعدد الأشخاص في السويد الذين لا يتحدثون السويدية أو لديهم معرفة غير كافية بها بعد خمس سنوات في البلاد. ومع ذلك، يظهر التحليل الديموغرافي أن الأمر يتعلق بشكل أساسي بجزء من الجيل الأول من المهاجرين. جوهر المسألة، كما أشار المستخدم بدقة، هو أن أكبر العقبات اللغوية توجد بين مجموعة من كبار السن الذين هاجروا متأخرين في حياتهم، وحيث أن نسبة كبيرة منهم لديها خلفية تعليمية قصيرة أو معدومة، وهم أميون حتى بلغتهم الأم. بالنسبة لهذه المجموعة، فإن طريق تعلم اللغة السويدية ليس مجرد مسألة دافع، بل هو عملية معقدة تتأثر بعوامل معرفية ولغوية واجتماعية تتطلب جهوداً تعليمية مكيفة خصيصاً ودعماً طويل الأمد.
