الحريديم وانتهاكات حقوق الإنسان: صراع بين تقاليد مغلقة ومبادئ الحرية والمساواة
الوكالة الكندية للأنباء
في قلب النقاش العام داخل المجتمع الإسرائيلي وخارجه، يثير ما يُعرف بتيار اليهود الحريديم (التيار الأرثوذكسي المتشدد) قضايا جدلية حول حقوق الإنسان وخصوصاً حقوق النساء والفتيات، حيث تواجه نماذج من التقاليد المغلقة ضغوطاً من القانون والمجتمع المدني للدفاع عن مبادئ المساواة والكرامة الإنسانية.
فصل الجنسين وإقصاء المرأة عن الفضاء العام
من أبرز الجوانب التي تثير الانتقاد في ممارسات بعض فئات الحريديم هو الفصل الجنسي في الأماكن العامة والمناسبات الاجتماعية، ما يؤدي إلى تهميش النساء في الحياة المجتمعية. تشمل هذه الممارسات فصل النساء في الحافلات أو دور العبادة أو المناسبات العامة، وفي بعض الحالات يُطلب من النساء الانصياع لتعليمات الفصل، وإلا يتعرضن لمضايقات لفظية وجسدية.
كما ترصد منظمات حقوقية حالات استبعاد النساء من الصور الرسمية والعامّة في المؤسسات الحريدية، حتى في مشاريع ثقافية، كما في قاعدة بيانات حكومية ظهرت فيها صور عائلات حريدية خالية من أي تمثيل للنساء أو الفتيات، ما أثار اتهامات بأن هذا يعكس إقصاء الجنس الأنثوي من المشهد العام.
تقييد التعليم والعمل والفرص الاقتصادية
النظام التعليمي الحريدي يركّز بشكل كبير على الدراسات الدينية، وغالباً لا يشمل مناهج علمية أو تعليمية حديثة تُعد لخوض سوق العمل الحديث. وهذا ينعكس بشكل خاص على الفتيات والنساء الحريديات اللواتي يتوقع منهن في كثير من الحالات إعالة الأسرة وتربية الأطفال بدل متابعة التعليم والعمل المتنوع.
بسبب هذه البنية الاجتماعية، فقد يجد بعض النساء صعوبة في الحصول على مؤهلات تؤمن لهن فرصاً مهنية متساوية خارج المجتمع الحريدي، مما يترجم إلى انعدام الاستقلالية الاقتصادية ونقص الفرص المتاحة مقارنة بالنساء في المجتمع الأوسع.
قضايا العنف الأسري والتمييز القانوني
بحسب تقارير غير رسمية ومنظمات مدافعة عن حقوق المرأة، كثيراً ما تواجه النساء الحريديات صعوبات في الإبلاغ عن العنف الأسري أو طلب المساعدة، بسبب الضغوط المجتمعية والخوف من وصمة العار أو ردود فعل المجتمع المحلي. في بعض الحالات، يُنصح الضحايا بالتحمّل أو المصالحة بدلاً من البحث عن حماية قانونية، مما يحدّ من قدرة النساء على العيش بأمان وكرامة.
كما أن النظام القانوني الذي تعمل فيه المحاكم الدينية في مسائل الزواج والطلاق في إسرائيل — وهو نظام خاضع لتفسيرات شرعية — قد يُسهّل بقاء المرأة في زواج غير صحي أو يمنعها من إنهاء علاقة عنيفة بسهولة، ظاهرة تم انتقادها أيضاً في سياقات اجتماعية أوسع.
الاحتجاجات والصدامات بين التيار المدني والتيار الحريدي
الخلاف بين المجتمع الحريدي وجماعات حقوق الإنسان وصل إلى شارع السياسة أيضاً، حيث نُظّمت احتجاجات ضد ما يُنظر إليه من قبل نشطاء كـ “عزل المرأة” و”تمييزها” في المدن الحريدية مثل بْني براك، وهو ما يُظهر توتراً متزايداً بين التيار الحريدي والمجموعات النسوية والمدنية.
الموازنة بين حرية الدين وحقوق الإنسان
يدافع مؤيدو الحريديم عن ممارساتهم بالاستناد إلى “حرية الدين والمعتقد”، معتبرين أن الفصل الجنسي والممارسات التقليدية جزء لا يتجزأ من هويتهم الروحية. ويرون أيضاً أن المرأة في هذه المجتمعات تحظى باحترام خاص داخل الأسرة والحياة الاجتماعية وفق رؤيتهم. ومع ذلك، يثير هذا توترًا قانونيًا حول ما إذا كان يجب أن تُعامل هذه الممارسات كجزء من “حرية الدين” أم كأشكال تمييز تنتهك مبادئ المساواة والحقوق الأساسية.
بينما يظل المجتمع الحريدي مجتمعاً محافظاً له إرثه الديني والاجتماعي الخاص، فإن الخلاف المتزايد مع المجتمع المدني والدولة حول ما يُعد انتهاكاً لحقوق الإنسان، خصوصاً حقوق النساء والفتيات، يستدعي نقاشات مفتوحة بين الحفاظ على التقاليد وبين ضمان المساواة القانونية والكرامة الإنسانية. قد تكون هذه القضية جزءاً من صراع أوسع في المجتمعات الحديثة حول كيفية التوفيق بين الحرية الدينية والحقوق الأساسية التي تحميها القوانين الدولية.


