لماذا يُقبل ختان اليهود ويُنتقد ختان المسلمين؟”

الختان بين الشريعة والقانون: قراءة في الجدل الديني والحقوقي بين المسلمين واليهود


الوكالة الكندية للأنباء 

فتحي الضبع 

في خضم النقاشات المتزايدة حول حقوق الإنسان وحرية المعتقد، يعود موضوع ختان الذكور ليحتل موقعًا متقدمًا في الجدل العام، خاصة في الدول الغربية. وبينما يُعد الختان ممارسة دينية راسخة لدى المسلمين واليهود على حد سواء، يثير التباين في طريقة التعامل معه قانونيًا وإعلاميًا تساؤلات عميقة حول الخلفيات التاريخية والسياسية لهذا الاختلاف.

جذور دينية مشتركة

تتفق الديانتان الإسلامية واليهودية في إرجاع أصل الختان إلى تقاليد ، الذي يُنظر إليه باعتباره رمزًا للعهد والطاعة الإلهية. ومنذ ذلك الحين، تحوّل الختان إلى علامة دينية مميزة وهوية جماعية لدى أتباع الديانتين.

في اليهودية، يُعرف الختان باسم “بريت ميلاه”، ويُؤدى في اليوم الثامن من ولادة الطفل الذكر ضمن طقس ديني صارم لا يقبل التأجيل إلا لضرورات صحية. أما في الإسلام، فيُعتبر الختان من سنن الفطرة، ويُمارس غالبًا في مراحل الطفولة، دون تحديد زمني ملزم، مع اختلاف فقهي حول درجة وجوبه.

بين الطقس الديني والإجراء الطبي

رغم وحدة الأصل، تختلف طبيعة الممارسة بين الديانتين. ففي حين يحتفظ الختان اليهودي بطابعه الطقسي الاحتفالي ويُجرى بواسطة مختص ديني، يميل في المجتمعات الإسلامية إلى أن يكون إجراءً طبيًا أو اجتماعيًا، يُنفذ في المستشفيات أو العيادات.

هذا الاختلاف في الشكل لا يلغي وحدة الهدف الرمزي، لكنه ينعكس على طريقة إدراك المجتمعات الأخرى لهذه الممارسة، خاصة في البيئات التي تعطي أولوية للمعايير الطبية وحقوق الطفل.

الخلفية التاريخية للجدل

الختان ليس حكرًا على الأديان الإبراهيمية، فقد عُرف في حضارات قديمة مثل مصر الفرعونية، قبل أن يتحول إلى فريضة دينية في اليهودية، ثم ينتقل إلى الإسلام ضمن منظومة الطهارة الجسدية.

ومع تطور الفكر القانوني في أوروبا الحديثة، بدأ يُعاد النظر في هذه الممارسة من زاوية حقوقية، خاصة مع تصاعد الاهتمام بسلامة الجسد وحق الطفل في اتخاذ قراراته مستقبلًا.

محطات قانونية مثيرة للجدل

شهدت بعض الدول الأوروبية صدامات قانونية حول ختان الأطفال، كان أبرزها في عام 2012، حين اعتبرت محكمة محلية الختان “إيذاءً جسديًا”. القرار أثار موجة غضب واسعة، خاصة في الأوساط اليهودية، التي رأت فيه تهديدًا مباشرًا لحرية ممارسة شعائرها الدينية.

لكن سرعان ما تدخل المشرّع الألماني لإصدار قانون يضمن حق العائلات في إجراء الختان ضمن ضوابط طبية، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها استجابة لحساسية تاريخية عميقة مرتبطة بمآسي ، وما تبعها من التزام أوروبي بحماية حقوق اليهود الدينية.

لماذا يبدو الجدل مختلفًا تجاه المسلمين؟

رغم أن النقاش القانوني يشمل جميع أشكال الختان الديني، يرى بعض المراقبين أن الممارسات الإسلامية تتعرض لانتقادات أشد في بعض السياقات. ويُعزى ذلك إلى عدة عوامل:

الإرث التاريخي الأوروبي: حيث تولي الدول الأوروبية أهمية خاصة لحماية الشعائر اليهودية في ظل تاريخ طويل من الاضطهاد.

الخطاب الإعلامي: الذي يربط أحيانًا بين الممارسات الإسلامية وقضايا الهجرة والاندماج، ما يزيد من حدة الجدل حولها.

التفاوت في النفوذ السياسي والتنظيمي: إذ تتمتع بعض الجاليات بقدرة أكبر على التأثير في السياسات العامة والدفاع عن ممارساتها.

ومع ذلك، يؤكد خبراء أن القوانين في معظم الدول الغربية لا تميز رسميًا بين الديانتين، بل تسعى إلى إيجاد توازن بين حرية المعتقد وحماية الطفل.

بين الحرية الدينية وحقوق الطفل

يبقى السؤال الجوهري في هذا الجدل: أين تنتهي حرية الدين وتبدأ حقوق الطفل؟
تحاول التشريعات الحديثة الإجابة عبر فرض شروط تضمن السلامة الطبية، دون المساس بجوهر الممارسة الدينية. إلا أن هذا التوازن يظل هشًا، وقابلًا لإعادة النقاش مع تغير السياقات الاجتماعية والسياسية.خاتمة

يكشف الجدل حول ختان الذكور عن تعقيد العلاقة بين الدين والقانون في العالم المعاصر. فبين جذور دينية ضاربة في التاريخ ومفاهيم حقوقية حديثة، تستمر المجتمعات في البحث عن صيغة تضمن احترام المعتقدات دون الإخلال بحقوق الأفراد. وفي ظل هذا التوازن الدقيق، سيظل الختان قضية مفتوحة للنقاش، تعكس في جوهرها صراع القيم بين الماضي والحاضر.