بين الغنى والفقر: كيف تتحول الإنسانية إلى تصنيف. بقلم.الكاتبة الصحفية مريم بدران
في المجتمعات الحديثة، لا يُقاس الإنسان بما هو عليه فقط، بل بما يملكه. وهنا يبدأ الانقسام الصامت: طبقات لا تعيش فقط في الاقتصاد، بل في الخيال الجمعي، في اللغة، وفي الأحكام المسبقة.
المال لا يبقى مجرد أداة تبادل، بل يتحول إلى (lingua di potere) لغة قوة ومع كل لغة قوة، يظهر خطر قديم: تحويل الإنسان من فرد حي إلى رمز طبقي. لماذا تنشأ صور الاحتقار بين الطبقات؟ يشرح علم النفس الاجتماعي هذه الظاهرة عبر آليات متعددة، أبرزها التحيز الداخلي (in-group bias)،
حيث تميل كل مجموعة إلى اعتبار نفسها أكثر عقلانية واستحقاقًا. ومن هنا يبدأ تشكل الروايات المتقابلة:
الفقير قد يفسر ثراء الغني على أنه ظلم أو استغلال بنيوي، بينما يميل الغني إلى تفسير الفقر بوصفه كسلًا أو فشلًا فرديًا.
وفي الحالات الأشد، تتفاقم ظاهرة نزع الإنسانية (dehumanization)،
حيث لا يُرى الطرف الآخر كإنسان معقد، بل كصورة مختزلة مشوهة، لا لأن هذا هو حقيقته، بل لأن العقل البشري يميل إلى تبسيط التعقيد حين يعجز عن فهمه ، لكن هذه ليست طبيعة الأغنياء ولا طبيعة الفقراء، بل نتيجة بنية اجتماعية غير متوازنة. فالطبقية ليست شعورًا عابرًا، بل نظامًا متكاملًا: تعليم غير متكافئ، فرص عمل متفاوتة، شبكات علاقات مغلقة، وتراكم ثروات عبر أجيال. هذه البنية تجعل الاحتكاك بين الطبقات غير متوازن، فتنتج سوء فهم متبادل بدلًا من إدراك واقعي.
الغني يعيش غالبًا في بيئة تقل فيها المواجهة المباشرة مع الفقر، بينما يعيش الفقير الفجوة كواقع يومي ضاغط لا يمكن تجاهله. وهكذا تتشكل تصورات متطرفة بدل فهم مركب للواقع.
في هذا السياق، يمكن القول إن هناك فقرًا فكريًا عند بعض الأغنياء كما عند بعض الفقراء، لكن دون أن يلغي ذلك حقيقة مركزية: حياة الفقير، في أغلب الحالات، أكثر قسوة وتعقيدًا، ليس فقط على مستوى المال، بل على مستوى البقاء اليومي نفسه.
هي حياة لا تُشبه الحياة إلا في الاسم: حساب دائم لوجبة الغد، قلق على الدواء قبل المرض، بحث يومي عن عمل لا يأتي، ومسافات تُقطع تحت التعب فقط من أجل لقمة عيش ، انتظار طويل أمام أبواب المستشفيات، صفوف لا تنتهي، وأيام تُستهلك ببطء حتى يبهت الإنسان وهو يحاول فقط أن يبقى .
" هذه ليست مبالغة، بل بنية حياة كاملة"
أما الغني، فرغم ما يبدو عليه من استقرار خارجي، فإنه ليس معفى من التوتر أو القلق أو العزلة أو ضغط الاستمرار داخل منظومة تنافسية لا تهدأ. الصورة النظيفة الأنيقة ليست بالضرورة صورة إنسان سعيد.
لماذا يظهر الغضب المتبادل؟ الفقير قد يشعر أن النظام ضده، فيحول الغني إلى رمز للظلم ، والغني قد يشعر أن استقراره مهدد أو أنه “استحق” ما يملك، فيميل إلى تفسير الفقر كاختيار فردي.
في الحالتين، لا يُرى الإنسان، بل تُرى قصة جاهزة والحقيقة التي يتجاهلها الطرفان هي أن: ليس كل غني متكبرًا، وليس كل فقير ضحية أو كارهاً للنظام لكن كل طرف قد يقع في فخ خطير: تعميم التجربة الشخصية على طبقة كاملة، وهو أخطر من الفقر نفسه في بعض الحالات، لأنه يحول المجتمع إلى ساحة أحكام لا ساحة فهم.
المال لا يصنع الإنسان، لكنه يكشفه ويضخم ما فيه وبين الغنى والفقر، لا يوجد إنسان أعلى وإنسان أدنى، بل يوجد إنسان يرى نفسه عبر المال، وإنسان يرى الآخرين عبر نقص المال، وكلاهما قد يخطئ الرؤية.
الحضارة لا تُقاس بوجود طبقات، بل بقدرتها على ألا تتحول هذه الطبقات إلى عداوة إنسانية.
الحقيقة القاسية أن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفقر الاقتصادي، بل بسبب فقر الوعي حين يتحول الإنسان إلى حكم مسبق متحرك، وحين يُختزل الآخر في فكرة لا في إنسان، يبدأ الانحدار الحقيقي.
الغني الذي يختزل الفقير في صورة ناقصة، ككائن قابل للاستهلاك أو كرقم في معادلة، أو كأنه “قابل للبيع والشراء” بلا قيمة إنسانية، يفقد جزءًا من إنسانيته قبل أن يمارس أي أذى مباشر. هذا النوع من الإدراك لا ينتج قوة بل ينتج عمى أخلاقيًا.
وفي المقابل، الفقير الذي يختزل الغني في صورة شيطانية مطلقة، كأنه مصدر كل شر أو تجسيد دائم للفساد، يفقد قدرته على فهم البنية التي تحكم الواقع قبل أن يفهم خصمه نفسه. يتحول وعيه إلى رد فعل بدل أن يكون فهما..
المشكلة ليست في المال وحده، بل في العيون التي ترى المال كهوية نهائية للإنسان، لا كأداة داخل حياة أعقد وأكثر هشاشة من كل هذه التصنيفات.
وعندما تُستبدل الإنسانية بالمصلحة الباردة، وتُقدم القدرة على المساعدة دون فعلها، أو المساعدة المشروطة بدلًا من الضمير، هنا لا يتشوه الاقتصاد فقط، بل تتشوه الفكرة نفسها عن الإنسان.
وهنا تبدأ الجريمة الحقيقية: أن يتحول الإنسان إلى نظام مصالح… لا إلى كائن أخلاقي.
