البوماك في بلغاريا: حكاية هوية عالقة بين الدين والقومية
صوفيا.د.محمد كمال علام
في أعماق جبال رودوبي جنوب بلغاريا، حيث القرى المعزولة والضباب الكثيف، تعيش واحدة من أكثر الجماعات إثارة للجدل في أوروبا الشرقية: البوماك. هؤلاء ليسوا أتراكًا بالمعنى القومي، ولا بلغارًا وفق التعريف التقليدي، بل يمثلون حالة مركبة تشكّلت عبر قرون من التحولات السياسية والدينية.ينتمي البوماك في أصولهم إلى السلافيين البلغار، ويتحدثون اللغة البلغارية بلهجات محلية، إلا أنهم يدينون بالإسلام، وهو ما وضعهم تاريخيًا في موقع فريد ومعقّد داخل المجتمع البلغاري. ويتركز وجودهم بشكل أساسي في جنوب بلغاريا، خصوصًا في مناطق جبال رودوبي، مع امتدادات في شمال اليونان وأجزاء من تركيا.
يرجع أغلب الباحثين أصول هذه الجماعة إلى فترة الحكم العثماني للبلقان بين القرنين الرابع عشر والتاسع عشر، حيث اعتنق عدد من البلغار المسيحيين الإسلام. ولم يكن هذا التحول دائمًا نتيجة إكراه مباشر، بل جاء أحيانًا بدوافع اقتصادية واجتماعية، مثل تخفيف الضرائب أو تحسين المكانة داخل النظام العثماني. ومع مرور الزمن، تشكّلت جماعة جديدة بهوية مزدوجة: بلغارية في الأصل، وإسلامية في الدين.
لكن هذه الهوية المركبة كانت بداية لصراع طويل. فبعد انتهاء الحكم العثماني وقيام الدولة البلغارية الحديثة، سعت السلطات إلى إعادة تعريف البوماك باعتبارهم "بلغارًا يجب إعادتهم إلى جذورهم"، في حين تمسّك كثير منهم بهويتهم الدينية الإسلامية.
بلغ هذا الصراع ذروته خلال الحكم الشيوعي في القرن العشرين، عندما أطلقت الدولة سياسات قسرية عُرفت باسم "عملية النهضة". وشملت هذه السياسات تغيير الأسماء الإسلامية إلى أسماء بلغارية، ومنع المظاهر الدينية، والتضييق على ممارسة الشعائر. وقد تركت هذه المرحلة أثرًا عميقًا على المجتمع البوماكي، حيث نشأ جيل يعيش حالة من الاغتراب وفقدان الهوية.
ورغم سقوط النظام الشيوعي عام 1989 واستعادة البوماك لحقوقهم الدينية وأسمائهم، فإن التحديات لم تختفِ. فما تزال هذه الجماعة تعاني من التهميش الاقتصادي، وتعيش في مناطق ريفية فقيرة، إلى جانب استمرار الغموض حول تعريف هويتها.
حتى اسم "البوماك" نفسه يثير جدلًا؛ إذ يُرجّح أنه مشتق من كلمة سلافية تعني "المساعد"، في إشارة إلى تعاونهم مع العثمانيين، وهي دلالة يعتبرها كثيرون سلبية ومفروضة من الخارج. لذلك، يفضّل عدد كبير منهم تعريف أنفسهم ببساطة على أنهم "مسلمون" أو "بلغار مسلمون".
اليوم، لا توجد إجابة واحدة عن سؤال الهوية داخل هذه الجماعة. فبعضهم يرى نفسه بلغاريًا مسلمًا، وآخرون يضعون الدين في المقام الأول، بينما يرفض فريق ثالث أي تصنيف جاهز. وبين هذه التعريفات المتباينة، تستمر قصة البوماك كواحدة من أبرز الأمثلة على تعقيد العلاقة بين الدين والقومية في أوروبا الحديثة.
في النهاية، لا تمثل قضية البوماك مجرد شأن أقلية، بل تطرح سؤالًا أوسع: هل تُحدَّد هوية الإنسان بأصله، أم بدينه، أم بالتاريخ الذي فُرض عليه؟

